مقدمة: تمويل الجمعيات المغربية تحت مجهر القانون
أعاد النقاش العمومي حول التصريح بمئات الملايين من الدراهم من التمويلات الأجنبية الموجهة إلى بعض الجمعيات فتح ملف قديم، لكنه حساس جدا: كيف ينظم القانون المغربي تمويل الجمعيات؟ السؤال ليس نظريا. نحن أمام نسيج جمعوي واسع، تشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط إلى أنه يضم عشرات الآلاف من الجمعيات، بل إن بعض التقديرات المتداولة تتحدث عن أكثر من 186 ألف جمعية مسجلة بأشكال ومستويات نشاط مختلفة. هذا الزخم المدني مهم للديمقراطية المحلية، للتنمية الاجتماعية، للثقافة، وللإغاثة أيضا. لكن من الجهة الأخرى، كل درهم يدخل إلى حساب جمعية، أو يصرف باسمها، يثير مسألة قانونية ومحاسبية ورقابية لا يجوز الاستهانة بها.
عمليا، كثير من مكاتب الجمعيات في المغرب تركز على المشروع، على النشاط، على المستفيدين، وعلى البحث عن الشركاء. وهذا طبيعي. لكن ما يقع في الواقع أن الجانب القانوني يظل مؤجلا إلى أن تظهر أول مشكلة: منحة عمومية لم يتم تبريرها كما ينبغي، تبرع أجنبي وصل قبل الترخيص، جمع عام لم يصادق على التقرير المالي، أو مراقبة ضريبية أعادت تكييف مداخيل جمعية على أنها رقم معاملات تجاري. هنا تبدأ المتاعب. وأحيانا تكون مكلفة جدا، ليس فقط للجمعية، بل لرئيسها وأمين مالها شخصيا.
القاعدة التي يجب الانطلاق منها بسيطة: الجمعية في المغرب ليست فضاء خارج القانون المالي. صحيح أنها شخص معنوي غير هادف إلى الربح، لكن هذا لا يعفيها من الالتزامات. بل بالعكس، لأن تعاملها مع التبرعات والإعانات والتمويلات يفرض عليها مستوى خاصا من الشفافية. ومن هنا تأتي أهمية فهم النصوص المؤطرة، وعلى رأسها الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 الموافق لـ 15 نونبر 1958 المنظم لحق تأسيس الجمعيات، كما وقع تغييره وتتميمه، خاصة بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.73.283 بتاريخ 10 أبريل 1973، ثم الظهير الشريف رقم 1.02.206 بتاريخ 23 يوليوز 2002.
هذا المقال يشتغل بمنطق عملي. ليس مجرد تلخيص للنصوص. سنشرح مصادر تمويل الجمعية في القانون المغربي، والفرق بين الجمعية المصرح بها والجمعية المعترف لها بصفة المنفعة العامة، وقواعد التمويل الأجنبي للجمعيات في المغرب، وما الذي يطلبه الأمانة العامة للحكومة، وما هي الالتزامات القانونية للجمعيات بالمغرب من حيث المحاسبة والشفافية والتقارير، ومن يراقب، ومتى تتدخل العمالة أو الولاية أو المجلس الأعلى للحسابات أو الإدارة الجبائية أو وحدة معالجة المعلومات المالية. وسنتوقف أيضا عند العقوبات، لأن النصوص هنا ليست رمزية.
باختصار: إذا كنت رئيس جمعية، أو أمين مال، أو عضوا في مكتب، أو مقاولة تفكر في تمويل مشروع جمعوي، أو حتى طالب قانون يبحث عن صورة دقيقة، فهذا الملف يهمك مباشرة. لأن الهوة بين حيوية العمل الجمعوي وبين صرامة المقتضيات القانونية قد تكون، بصراحة، خطيرة.
زلزال 848 مليون درهم: حين تطرح الأرقام سؤال القانون
عندما يعلن عن أرقام ضخمة تخص التمويلات الأجنبية المصرح بها، فالمغزى القانوني لا يكمن فقط في حجم الأموال. المغزى الأهم هو أن نظام التصريح والترخيص موجود فعلا، وأن الدولة تتابع هذه التدفقات من حيث المبدأ. لكن السؤال الذي يطرح نفسه، وهو سؤال مشروع، يتعلق بما بعد التصريح: كيف تصرف هذه الأموال؟ هل استعملت في الأغراض المعلن عنها؟ هل احترمت الجمعيات التزاماتها المحاسبية؟ وهل خضعت للمراقبة اللاحقة؟
هنا يجب تجنب التهويل كما يجب تجنب التبسيط. ليس كل تمويل أجنبي مشبوها، وليس كل جمعية تتلقى دعما خارجيا في وضعية مخالفة. لكن في المقابل، أي تمويل أجنبي بدون ترخيص مسبق يظل، من الناحية القانونية، مخالفة صريحة حتى لو كان المبلغ محدودا جدا وحتى لو كان الغرض نبيلا.
لماذا يجب على الجمعية أن تضبط التزاماتها المالية منذ التأسيس؟
في الممارسة، أكثر الأخطاء تقع في البداية. عند التأسيس، ينشغل المؤسسون بوصل الإيداع، بالنظام الأساسي، بالمقر، وبالبرنامج الأولي. نادرا ما يفكرون في دفتر الصندوق، أو سجل المنخرطين، أو كيف ستثبت الجمعية مآل كل درهم. ثم بعد سنة أو سنتين، ومع أول شراكة أو منحة، يتبين أن الوثائق غير مضبوطة، وأن النظام الأساسي نفسه لا يوضح آليات تحديد واجبات الانخراط أو طرق المراقبة الداخلية.
وقد عاينت في ملفات مهنية حالات رفض فيها تمويل أو تأخر صرفه فقط لأن النظام الأساسي للجمعية لا ينسجم مع طبيعة المشروع المطلوب تمويله. هذا يحدث كثيرا مع ملفات التمويل الأجنبي أمام الأمانة العامة للحكومة. من الناحية العملية، الملف لا يقرأ فقط من زاوية وجود الوثائق، بل من زاوية الانسجام بين غرض الجمعية ومصدر التمويل وطريقة صرفه.
الإطار القانوني المؤسس: ظهير 1958 وتعديلاته اللاحقة
ظهير 15 نونبر 1958: نص قديم ما زال يحكم الواقع
المرجع الأساسي هو الظهير الشريف رقم 1.58.376 الصادر في 15 نونبر 1958 بشأن تنظيم حق تأسيس الجمعيات، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 2404 بتاريخ 27 نونبر 1958. ورغم قدم هذا النص، فإنه ما يزال إلى اليوم العمود الفقري لقانون الجمعيات بالمغرب. صحيح أن الدستور المغربي لسنة 2011 كرس حرية تأسيس الجمعيات، لكن الإطار الإجرائي والمالي اليومي ما زال يعود، في أغلب تفاصيله، إلى هذا الظهير وتعديلاته.
هذا المعطى يفسر كثيرا من الإشكالات العملية. فالقانون قديم، والواقع الجمعوي تطور بشكل كبير: جمعيات تدير مشاريع اجتماعية معقدة، جمعيات تتلقى تمويلات دولية، جمعيات تعتمد على التمويل الرقمي، وجمعيات تشتغل بعقود وشراكات ومؤشرات إنجاز. ومع ذلك، النص الأصلي لا يجيب بدقة عن كل الأسئلة الحديثة، خاصة في الجانب المحاسبي.
تعديلات 1973 و2002: تشديد الرقابة وتوسيع بعض المقتضيات
تم تعديل الظهير بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.73.283 بتاريخ 10 أبريل 1973، ثم بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.02.206 بتاريخ 23 يوليوز 2002 القاضي بتنفيذ القانون رقم 75.00. هذا التعديل الأخير مهم جدا لأنه أدخل مقتضيات حساسة، أشهرها الفصل 17 مكرر المتعلق بالمساعدات الأجنبية.
بمعنى آخر، من يريد فهم قانون تمويل الجمعيات في المغرب لا يكفيه الرجوع إلى نسخة 1958 وحدها. يجب قراءة النص في صيغته المحينة، مع مراعاة المراسيم التطبيقية، خاصة بالنسبة للجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة.
ماذا يقول القانون بالضبط عن الموارد المالية للجمعيات؟
الفصل 6 من الظهير هو نقطة الانطلاق. هذا الفصل يقرر، من حيث المبدأ، أن الجمعية المصرح بها بصفة قانونية يمكنها، دون حاجة إلى ترخيص خاص، أن تتقاضى واجبات الانخراط والاشتراكات التي يحددها نظامها الأساسي، وأن تملك المساعدات العمومية والإعانات وبعض الموارد المرتبطة بنشاطها، وذلك في الحدود التي لا تحولها إلى مشروع ربحي مقنع.
الفصل 6 من ظهير 15 نونبر 1958 يقرر أهلية الجمعية المصرح بها للتقاضي والقيام بالأعمال المدنية، كما يتيح لها، ضمن ما يتيحه، تلقي واجبات الانخراط والإعانات العمومية والموارد المرتبطة بتحقيق أهدافها، مع مراعاة القيود القانونية الخاصة ببعض أنواع التبرعات والتصرفات.
أما الفصل 7 فيتعلق بالجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، وهي تتمتع بامتيازات أوسع، من بينها إمكانية تلقي الهبات والوصايا وفق الشروط القانونية، وهي نقطة سنعود إليها لاحقا لأنها تؤثر مباشرة على مصادر تمويل الجمعية في القانون المغربي.
الفصل 7 يفتح للجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة إمكانيات أوسع في التملك وتلقي بعض التبرعات والوصايا، وفق ما يحدده التنظيم الجاري به العمل.
العلاقة مع دستور 2011
الفصل 12 من دستور 2011 ينص على أن الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية تؤسس وتمارس أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون. هذه العبارة الأخيرة مهمة: الحرية مضمونة، نعم، لكن في نطاق القانون. ولذلك لا يمكن الاحتجاج بحرية تأسيس الجمعيات لتجاوز قواعد المحاسبة أو لتلقي أموال أجنبية دون ترخيص أو لتنظيم جمع عمومي دون إذن.
والواقع أن أكبر خلط نجده في الممارسة هو الخلط بين حرية التأسيس والتحلل من الضوابط المالية. الأولى حق دستوري، والثانية غير موجودة أصلا.
مصادر التمويل المسموح بها للجمعيات في القانون المغربي
اشتراكات الأعضاء: مورد بسيط لكنه يحتاج إلى ضبط
أبسط مورد للجمعية هو واجبات الانخراط والاشتراكات الدورية. قانونا، لا يوجد في الظهير سقف موحد لهذه الاشتراكات، لكن الشرط الأساسي هو أن تكون منصوصا عليها في النظام الأساسي أو على الأقل أن يحدد النظام الجهة المختصة بتحديدها، غالبا الجمع العام أو المكتب وفق ضوابط واضحة.
عمليا، من الأفضل أن ينص النظام الأساسي على مبدأ الاشتراك السنوي وطريقة مراجعته، وأن يحتفظ أمين المال بسجل للمنخرطين يبين الاسم والمبلغ وتاريخ الأداء ووسيلة الأداء. هذا السجل ليس ترفا. عند النزاع الداخلي أو عند المراقبة، هو أول وثيقة يطلبها الناس. وفي عدد من الملفات، يكون الخلاف حول من له صفة التصويت في الجمع العام مرتبطا أصلا بغياب ضبط الاشتراكات.
التبرعات والهبات: من يحق له التبرع وتحت أي شروط؟
التبرعات الخاصة واردة ومشروعة من حيث المبدأ، سواء جاءت من أشخاص ذاتيين أو معنويين. لكن يجب التمييز بين التبرع اليدوي البسيط، وبين الهبة أو الوصية أو التمويل المشروط أو التمويل الأجنبي. فليس كل ما يسمى في الخطاب اليومي "تبرعا" له النظام القانوني نفسه.
التبرعات العادية من داخل المغرب يمكن للجمعية المصرح بها أن تتلقاها، مع ضرورة إثباتها محاسبيا، وإصدار وصل عند الاقتضاء، وتضمينها في التقرير المالي السنوي. أما الوصايا والإرث فهذه تبقى، في الأصل، من المجالات التي تستفيد منها خصوصا الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، وفقا للفصل 7 من الظهير والنصوص التطبيقية ذات الصلة.
هنا يبرز فرق عملي مهم بين الجمعية المصرح بها والجمعية المعترف لها بصفة المنفعة العامة. كثير من الناس يخلطون بينهما. في المكاتب القانونية، يصل أحيانا ملف جمعية يظن أعضاؤها أنهم بمجرد حصولهم على وصل الإيداع النهائي صار بإمكانهم تلقي كل أنواع الهبات والوصايا. هذا غير صحيح.
الإعانات العمومية: من الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية
تستفيد جمعيات كثيرة من إعانات تقدمها القطاعات الوزارية أو الجماعات الترابية أو الجهات أو العمالات أو المؤسسات العمومية. لكن الإعانة العمومية ليست منحة حرة من كل قيد. غالبا ما تكون مؤطرة باتفاقية أو دفتر تحملات أو قرار منح يحدد المشروع والمدة والمبلغ وكيفية التبرير.
في الواقع العملي، الحصول على دعم من جماعة ترابية أو جهة يمر غالبا عبر تقديم ملف إداري ومالي: القانون الأساسي، الوصل القانوني، لائحة المكتب، برنامج العمل، الميزانية التقديرية، الحساب البنكي، وأحيانا تقارير سابقة. ثم بعد صرف الإعانة، يطلب من الجمعية تقرير استعمال مرفقا بالفواتير والوثائق المثبتة. وفي كثير من الاتفاقيات، يجب الإدلاء بهذا التقرير داخل أجل قد يصل إلى 6 أشهر بعد نهاية المشروع أو نهاية السنة المالية.
وهنا تتقاطع شروط دعم الجمعيات في المغرب مع قواعد المراقبة المالية. فمن يتلقى مالا عموميا يقبل، تلقائيا، رقابة أوسع.
الأنشطة المدرة للدخل: نعم، ولكن بشروط صارمة
يجوز للجمعية أن تنظم أنشطة مدرة للموارد: معارض، دورات تكوينية، بيع منشورات، أنشطة فنية، خدمات مرتبطة بهدفها الأساسي. لكن يجب الانتباه. القانون لا يمنع كل نشاط اقتصادي، بل يمنع أن تتحول الجمعية إلى شركة تجارية مقنعة. المعيار هنا هو طبيعة النشاط، وتكراره، ووزنه المالي، وهل الأرباح توزع أم يعاد استثمارها كليا في الهدف الجمعوي.
في إحدى القضايا العملية، تمت مراقبة جمعية ثقافية في الدار البيضاء كانت تسمي المبالغ المؤداة من المستفيدين "مساهمات دعم"، بينما كانت في الحقيقة مقابلا منتظما لخدمات تكوينية مدفوعة. الإدارة الجبائية اعتبرت الأمر نشاطا تجاريا، وأعادت تكييف المداخيل على أنها خاضعة للضريبة، مع ما ترتب عن ذلك من تصحيح وغرامات. الرسالة هنا واضحة: التسمية لا تحمي من إعادة التكييف.
التمويل الأجنبي: النظام الخاص الأكثر حساسية
هذا هو المجال الذي يثير أكبر قدر من الأسئلة، وأحيانا من الأخطاء. من حيث المبدأ، كل مساعدة مالية قادمة من الخارج، كيفما كان اسمها: تبرع، منحة، دعم، تمويل مشروع، مساهمة عينية قابلة للتقييم المالي، تخضع لنظام خاص بمقتضى الفصل 17 مكرر.
ولا يوجد في القانون المغربي أي عتبة دنيا تعفي من الترخيص. ألف درهم أو مليون درهم، القاعدة واحدة. وهذا من خصوصيات النظام المغربي مقارنة ببعض الأنظمة الأخرى التي تعتمد حدودا مالية دنيا أو تصاريح لاحقة.
التمويل الأجنبي للجمعيات: نظام استثنائي شديد التأطير
الفصل 17 مكرر: المقتضى الذي يقلق مكاتب الجمعيات
أدخل الظهير الشريف رقم 1.02.206 بتاريخ 23 يوليوز 2002 الفصل 17 مكرر إلى ظهير الجمعيات. وهو من أهم النصوص العملية اليوم. هذا الفصل ينص، في جوهره، على أن كل جمعية ترغب في الحصول على مساعدة أجنبية يجب عليها أن تطلب الإذن المسبق لدى الأمانة العامة للحكومة.
الفصل 17 مكرر: تخضع كل مساعدة أجنبية، مباشرة أو غير مباشرة، نقدية أو عينية، موجهة إلى جمعية، لترخيص مسبق وفق الشروط المحددة قانونا وتنظيميا.
المهم هنا هو عبارة الترخيص المسبق. ليس التصريح بعد التوصل. وليس الإخبار اللاحق. وليس تبرير الأمر بعد صرف الأموال. إذا وصل التمويل قبل الترخيص، فالمخالفة تكون قد وقعت.
كيف تتم مسطرة الترخيص لدى الأمانة العامة للحكومة؟
عمليا، يودع ملف لدى الأمانة العامة للحكومة بالرباط. غالبا ما يضم: طلبا موقعا من رئيس الجمعية، نسخة مطابقة للأصل من النظام الأساسي، وصل الإيداع القانوني، آخر محضر جمع عام، عرضا مفصلا للمشروع المراد تمويله، مبلغ التمويل وطبيعته، هوية الجهة المانحة الأجنبية، ووثائقها القانونية إن أمكن، ثم بيان طريقة تحويل الأموال واستعمالها.
في النظرية، يتداول المهنيون أجل 30 يوما كأجل مرجعي للرد. لكن في الممارسة، وهذا يجب قوله بصراحة، المدة الفعلية تتراوح كثيرا بين 4 و8 أسابيع، وأحيانا أكثر إذا كان الملف ناقصا أو إذا كانت هناك ملاحظات على موضوع التمويل أو على مطابقة أهداف الجمعية لما سيصرف عليه المال.
وقد واكبت ملفات رفضت أو جمدت فقط لأن النظام الأساسي للجمعية ينص على هدف ثقافي محلي محدود، بينما طلب التمويل الأجنبي كان موجها إلى مشروع تكوين مهني واسع أو نشاط ذي بعد حقوقي غير مذكور بوضوح في الأهداف. هنا لا تكفي النية الحسنة. الوثيقة التأسيسية نفسها يجب أن تكون منسجمة مع التمويل.
ومن الناحية العملية أيضا، إذا كان الملف يتضمن وثائق بلغة أجنبية، فقد يطلب إرفاقها بترجمة محلفة. وكلفة الترجمة بالمغرب تتراوح غالبا بين 250 و500 درهم للصفحة بحسب اللغة والمكتب، بينما تكاليف المصادقة على الإمضاءات قد تصل إلى 20 درهما لكل توقيع في بعض المساطر والوثائق المرتبطة بالإجراءات الإدارية.
ما هي التمويلات الأجنبية المعنية؟
الجواب الراجح عمليا أن نطاق الفصل 17 مكرر واسع. فهو يشمل التبرعات والمنح والإعانات والتحويلات وكل دعم ذي قيمة مالية قادم من جهة أجنبية، سواء كانت منظمة غير حكومية، مؤسسة مانحة، سفارة، وكالة تعاون، جمعية شقيقة بالخارج، أو حتى منصة تمويل جماعي أجنبية إذا كانت الأموال ستمر عبر قناة أجنبية لصالح الجمعية المغربية.
وهنا تظهر مناطق رمادية. مثلا، ماذا عن تجهيزات أو معدات وضعت رهن إشارة الجمعية دون تحويل مالي مباشر؟ في القراءة العملية، إذا كانت هذه المساعدة ذات قيمة مالية ويمكن تقييمها، فمن الحكمة القانونية اعتبارها داخلة في نطاق الترخيص. الشيء نفسه بالنسبة لتحمل جهة أجنبية مصاريف سفر أو تكوين أو إقامة لفائدة الجمعية في إطار مشروع محدد.
هل توجد جمعيات معفاة أو مبالغ صغيرة لا تحتاج إلى ترخيص؟
لا. هذا من أكثر الأسئلة تكرارا، والجواب القانوني فيه واضح: لا يوجد أي نص يقرر عتبة دنيا للإعفاء. لذلك فإن تلقي بضعة آلاف من الدراهم من جمعية أجنبية صديقة دون ترخيص يظل، تقنيا، مخالفة. قد لا تكون له دائما نفس النتائج العملية التي تترتب عن مبالغ كبيرة، لكن المخالفة من حيث المبدأ قائمة.
حالة الجمعيات الأجنبية العاملة بالمغرب
الجمعيات الأجنبية التي تريد مزاولة نشاطها بالمغرب تخضع بدورها لمقتضيات خاصة، سواء من حيث التصريح أو الترخيص أو طبيعة الأنشطة. وإذا كانت تمول جمعيات مغربية أو تنجز مشاريع مباشرة فوق التراب الوطني، فإن الرقابة تكون أشد، خصوصا إذا تعلق الأمر بمجالات حساسة أو بمناطق معينة أو بتمويلات متكررة وعالية القيمة.
لهذا السبب، من الحكمة قبل أي شراكة مع منظمة أجنبية أن تتم مراجعة الوضع القانوني للطرفين، لا الاكتفاء برسائل النوايا أو المراسلات الإلكترونية. لأن ما يهم الإدارة في النهاية هو الملف القانوني الكامل، لا حسن النية فقط.
كيف نفهم رقم 848 مليون درهم في هذا السياق؟
هذا الرقم، في حد ذاته، لا يثبت مخالفة. لكنه يثبت شيئا آخر: أن التمويل الأجنبي للجمعيات في المغرب ليس ظاهرة هامشية، بل واقع مالي مؤثر. لذلك فالتشدد القانوني في هذا الباب ليس تفصيلا. ومع ارتفاع حجم التمويلات، يرتفع أيضا منطقيا مستوى المراقبة المنتظر من الدولة، سواء من حيث المصدر أو من حيث أوجه الصرف أو من حيث مدى احترام الترخيص المسبق.
الالتزامات المحاسبية والشفافية المالية
ماذا يفرض القانون فعلا من محاسبة على الجمعية؟
هنا نصل إلى منطقة فيها قدر من الغموض. ظهير 1958 لا يقدم نظاما محاسبيا تفصيليا للجمعيات كما هو الحال في بعض التشريعات المقارنة. لكنه لا يعني أبدا أن الجمعية غير ملزمة بالمحاسبة. بالعكس، فكل جمعية تتلقى أموالا، خاصة إذا كانت اشتراكات أو تبرعات أو إعانات عمومية، مطالبة بمسك حسابات منتظمة تثبت المداخيل والمصاريف.
الحد الأدنى العملي الذي لا ينبغي النزول عنه هو: سجل المنخرطين والاشتراكات، دفتر الصندوق يبين كل دخول وخروج، كشف بنكي منتظم إذا كان للجمعية حساب بنكي، أرشيف الفواتير والوصولات، ثم تقرير مالي سنوي يعرض على الجمع العام.
وفي الواقع، كثير من السلطات المحلية، عند دراسة ملفات الدعم أو عند تتبع الجمعيات داخل نفوذ العمالة أو الإقليم، تتوقع هذا الحد الأدنى على الأقل. لذلك فالسؤال ليس هل يوجد نص حرفي يذكر كل دفتر على حدة، بل هل تستطيع الجمعية أن تبرر ماليا ما دخل وما خرج. إن لم تستطع، فالمشكلة قائمة.
هل يوجد مخطط محاسبي خاص بالجمعيات في المغرب؟
إلى اليوم، لا يوجد في المغرب مخطط محاسبي جمعوي مستقل بنفس الوضوح الموجود في بعض الأنظمة الأخرى. وهذه من الثغرات المعروفة. لذلك يلجأ المهنيون، كأفضل ممارسة، إلى اعتماد المدونة العامة للتقييس المحاسبي CGNC على سبيل الاستئناس والقياس، مع تكييفها مع طبيعة الجمعية غير الربحية.
هذا النقص التشريعي يخلق ارتباكا، خصوصا لدى الجمعيات الصغيرة في العالم القروي أو في الأحياء الشعبية، التي تشتغل بإرادة تطوعية لكنها تجد نفسها أمام متطلبات توثيق ومسك حسابات لا تعرف كيف تنفذها. هنا تظهر أهمية الاستعانة بمحاسب أو خبير محاسب، ولو بشكل جزئي. وتكلفة مواكبة محاسبية لجمعية صغيرة قد تتراوح عمليا بين 500 و2000 درهم شهريا بحسب حجم العمليات وعدد المشاريع.
التقرير المالي السنوي: ليس شكلا بروتوكوليا
يجب أن يعرض المكتب على الجمع العام تقريرا ماليا سنويا يبين الموارد والمصاريف والرصيد والالتزامات عند الاقتضاء. والأفضل أن يتم ذلك داخل أجل لا يتجاوز 6 أشهر من اختتام السنة المالية. هذا الأجل ليس منصوصا عليه دائما بصيغة واحدة في قانون الجمعيات، لكنه أصبح معيارا عمليا سليما وموجودا في كثير من الأنظمة الأساسية والاتفاقيات والضوابط المعتمدة في تمويل الجمعيات.
التقرير المالي الجيد لا يقتصر على أرقام مجملة. يجب أن يوضح مصادر التمويل: اشتراكات، تبرعات، إعانات، مداخيل أنشطة، تمويل أجنبي إن وجد، ثم أوجه الصرف حسب المشاريع أو البنود الكبرى. وكلما كانت الجمعية أكبر أو أكثر تعرضا للمراقبة، كان التفصيل أكثر ضرورة.
التصريح بالموارد لدى العمالة أو الولاية: ماذا يقع في الممارسة؟
لا يتضمن ظهير 1958 أجلا عاما وصريحا وموحدا لكل الموارد التي تتلقاها الجمعية من أجل التصريح بها لدى العمالة أو الولاية. لكن في الممارسة الإدارية، خاصة بالنسبة للموارد المهمة أو للمنح العمومية أو لبعض التمويلات المثيرة للانتباه، يوصى عمليا بالتصريح داخل أجل يقارب 30 يوما من التوصل. هذه ليست دائما قاعدة تشريعية حرفية، لكنها ممارسة إدارية متداولة ومفيدة لتفادي سوء الفهم والاحتكاك مع السلطة المحلية.
أما بالنسبة للتمويل الأجنبي فالأمر مختلف تماما: الترخيص يجب أن يسبق التوصل، وليس مجرد تصريح لاحق.
الجمعيات المستفيدة من المال العام: شفافية معززة
عندما تتلقى الجمعية إعانات عمومية، فإنها تدخل ضمن منطق الرقابة على المال العام. هنا تبرز أهمية القانون رقم 69.00 المتعلق بالمراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة وهيئات أخرى، كما تتدخل قواعد المحاسبة العمومية والاتفاقيات المبرمة مع الجهة المانحة. كما يمكن أن تكون الجمعية معنية برقابة المجلس الأعلى للحسابات أو المجالس الجهوية للحسابات وفق القانون رقم 62.99 بمثابة مدونة المحاكم المالية.
بكلام أوضح: من يأخذ دعما من المال العام لا يمكنه أن يقول لاحقا إن شؤونه داخلية فقط. هذه الفكرة لا تصمد قانونيا.
من يراقب تمويل الجمعية في المغرب؟
وزارة الداخلية والعمالات والولايات
السلطة الإدارية المحلية، ممثلة في الوالي أو العامل أو من ينوب عنه داخل دائرة النفوذ الترابي، تظل فاعلا أساسيا في تتبع الوضعية القانونية للجمعيات. هي تتلقى التصاريح الأساسية، وتتعامل مع طلبات الجمع العمومي، وتتابع بعض أوجه النشاط، وقد تكون مخاطبا أوليا في ملفات الدعم أو الملاحظات المرتبطة بالشفافية.
في لغة الممارسة المغربية، يقال كثيرا إن الجمعية تشتغل داخل نفوذ العمالة أو الإقليم، وهذا ليس مجرد تعبير إداري. فهو يعني أن للسلطة المحلية معطيات عن وجودها ونشاطها، وقد تطلب منها وثائق أو توضيحات عند الاقتضاء.
المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية
بمقتضى القانون رقم 62.99، تملك المحاكم المالية اختصاص مراقبة استعمال الأموال العمومية. وإذا استفادت جمعية من دعم عمومي مهم، أو من مساهمات من جماعات ترابية أو مؤسسات عامة، فقد تخضع لافتحاص أو تدقيق في كيفية صرف هذه الأموال. ويتداول عمليا أن الجمعيات التي تلقت مبالغ مهمة، خاصة ما يفوق 200 ألف درهم من المال العام، تكون أكثر عرضة للتدقيق، وإن كان معيار التدخل يرتبط أيضا بطبيعة الجهة المانحة وببرنامج المراقبة المعتمد.
المراقبة القطاعية من الوزارات المانحة
الوزارة أو المؤسسة العمومية التي تمنح الدعم لا تكتفي عادة بتحويل الأموال. فهي تطلب تقارير إنجاز، ووثائق إثبات، وأحيانا زيارات ميدانية. وقد توقف صرف الشطر الثاني من الدعم إذا لم يثبت حسن استعمال الشطر الأول. هذه نقطة عملية جدا، ويغفلها بعض المسؤولين الجمعويين الذين يركزون على تحصيل التمويل أكثر من التركيز على إثبات التنفيذ.
وحدة معالجة المعلومات المالية وقانون مكافحة غسل الأموال
مع تطور قواعد الامتثال المالي، لا يمكن فصل تمويل الجمعيات عن القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال كما تم تعديله. فالبنوك، والهيئات المالية، وبعض الجهات المعنية، قد تثير انتباه وحدة معالجة المعلومات المالية إذا ظهرت تحويلات غير معتادة أو غير مبررة أو لا تنسجم مع طبيعة نشاط الجمعية.
هذا لا يعني أن كل تحويل أجنبي يثير شبهة. لكنه يعني أن الشفافية الوثائقية أصبحت أساسية: عقد التمويل، الترخيص المسبق، الحساب البنكي المخصص عند الاقتضاء، التبرير المحاسبي، والتقارير. في غياب هذه العناصر، قد يتحول الإشكال الإداري إلى شبهة مالية أوسع.
المراقبة الجبائية: الإعفاء ليس آليا
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الجمعية معفاة تلقائيا من كل الضرائب. الواقع أكثر دقة. بعض الأنشطة وبعض الموارد قد تكون معفاة أو غير خاضعة وفق الشروط، لكن إذا مارست الجمعية نشاطا ذا طبيعة تجارية فعلية، فقد تصبح معنية بالضريبة على الشركات أو الضريبة على القيمة المضافة أو الرسوم المهنية بحسب الحالة.
ولهذا السبب، فإن الشفافية المالية للجمعية غير الهادفة للربح بالمغرب ليست فقط مسألة داخلية، بل أيضا مسألة جبائية. والمقاولة التي تقدم رعاية أو تبرعا بدورها تهتم بالوضعية القانونية للجمعية، لأنها تريد معرفة هل التبرع قابل للخصم الجبائي أم لا.
التبرعات والانخراطات والرعاية: التنظيم المفصل
التبرعات القابلة للخصم الضريبي
من الناحية الجبائية، يتيح المدونة العامة للضرائب، وخاصة المادة 10 بالنسبة للمقاولات، خصم بعض التبرعات من النتيجة الجبائية إذا كانت موجهة إلى جهات محددة قانونا، وعلى رأسها الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة وبعض الهيئات العاملة في مجالات ذات نفع عام وفق الشروط المقررة.
أما بالنسبة للأشخاص الذاتيين، فتوجد إمكانيات خصم في حدود معينة من الدخل الإجمالي الخاضع للضريبة عندما تتوفر الشروط القانونية. في الخطاب العملي المتداول، يشار كثيرا إلى سقف 1.5% بالنسبة لبعض الحالات، لكن ينبغي دائما التحقق من الصيغة المحينة للنص الجبائي ووضعية الجهة المستفيدة قبل اعتماد أي خصم.
الخلاصة هنا بسيطة: ليس كل تبرع لجمعية يخول امتيازا ضريبيا للمتبرع. وضعية الجمعية القانونية هي الحاسمة.
الجموع العمومية ونداءات التبرع
إذا أرادت الجمعية تنظيم حملة تبرع في الفضاء العمومي أو اكتتاب أو جمع إحسان على نطاق مفتوح، فالأصل أن ذلك يخضع لترخيص مسبق من السلطة المختصة، غالبا لدى العمالة أو الولاية حسب المجال الترابي. من الناحية العملية، يستحسن إيداع الطلب قبل الموعد بما لا يقل عن 15 يوما، مع بيان الهدف والمكان والمدة ووسائل الجمع وهوية المسؤولين.
بعد انتهاء العملية، يطلب عادة تقرير يبين المبالغ المحصلة وكيفية استعمالها. ولا تفرض هذه المسطرة، في الغالب، رسوما مهمة في حد ذاتها، لكن المشكلة فيها هي الأجل والالتزام الشكلي. فمن ينظم جمعا عموميا بدون إذن يضع نفسه مباشرة في منطقة مخالفة واضحة.
الوصايا والإرث: امتياز خاص بالمنفعة العامة
تلقي الوصايا والإرث ليس مفتوحا بنفس الشكل لكل الجمعيات. هنا تظهر مرة أخرى أهمية صفة المنفعة العامة. فالجمعيات المعترف لها بهذه الصفة تتمتع بقدرة قانونية أوسع، يحددها الفصل 7 من الظهير والمرسوم رقم 2-02-313 الصادر سنة 2002 المتعلق بالجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة.
والحصول على هذه الصفة ليس أمرا شكليا. في الممارسة، الملف قد يستغرق بين 6 و18 شهرا، وأحيانا أكثر، ويتطلب نظاما أساسيا منضبطا، وتقارير نشاط ومالية، وإثبات عمل فعلي مستقر، وملاءمة مع فكرة النفع العام.
العقوبات عند مخالفة قواعد التمويل
العقوبات الإدارية: التوقيف والحل
إذا خالفت الجمعية مقتضيات القانون، خاصة في الجوانب التي تمس النظام العام أو التمويل غير المشروع أو غياب الوضعية القانونية، يمكن أن تواجه التوقيف أو الحل وفق المساطر المقررة. ويظل الفصل 20 من ظهير 1958 من النصوص المرجعية في هذا الباب فيما يخص الحل القضائي في بعض الحالات.
الفصل 20 يفتح المجال لحل الجمعية قضائيا عندما تكون في وضعية مخالفة للقانون أو لأهدافها المشروعة أو عندما تتحقق الأسباب القانونية المبررة لذلك.
كما قد تتخذ تدابير إدارية أكثر صرامة في الحالات التي تعتبر فيها السلطات أن نشاط الجمعية أو مصادر تمويلها تمس النظام العام أو تخالف النصوص الخاصة.
العقوبات الجنحية على المسيرين
الظهير نفسه يتضمن مقتضيات زجرية. ويشار عادة إلى الفصلين 18 و19 فيما يتعلق بالعقوبات التي قد تطال المؤسسين أو المسيرين الذين يخالفون أحكام القانون عن علم. وفي الصياغات المتداولة، تتراوح الغرامات بين 1000 و5000 درهم في بعض حالات المخالفة المرتبطة بتسيير جمعية في وضعية غير قانونية أو بعدم احترام بعض المقتضيات الأساسية.
لكن الخطر الحقيقي لا يقف هنا. فإذا تعلق الأمر بتبديد أموال أو خيانة أمانة أو تزوير أو تصريحات كاذبة، فإن القانون الجنائي يدخل على الخط. وفي هذه الحالة قد نكون أمام تكييفات أشد بكثير من مجرد مخالفة قانون الجمعيات. مثلا، الفصل 547 من القانون الجنائي يتعلق بخيانة الأمانة، بينما تهم الفصول 351 وما يليها صورا من التزوير واستعماله بحسب الأحوال.
بمعنى واضح: رئيس الجمعية أو أمين المال ليسا محميين دائما بشخصية الجمعية المعنوية. المسؤولية الشخصية ممكنة مدنيا وجنائيا إذا ثبت الخطأ أو سوء النية أو التلاعب.
التمويل الأجنبي بدون ترخيص: المخاطر مضاعفة
تلقي تمويل أجنبي دون إذن مسبق قد يقود إلى مساطر إدارية، وقد يفتح أيضا الباب أمام تساؤلات تتعلق بمصدر الأموال ووجهتها، خاصة إذا كانت التحويلات غير مبررة أو متكررة أو غير منسجمة مع نشاط الجمعية. وهنا قد تتقاطع المخالفة مع مقتضيات قانون مكافحة غسل الأموال.
وفي ملفات واقعية، رأيت جمعيات حاولت معالجة الأمر بطلب ترخيص بعد التوصل. يجب أن يقال بوضوح: التسوية اللاحقة قد تخفف الأضرار العملية أحيانا، لكنها لا تمحو وقوع المخالفة الأصلية.
هل توجد اجتهادات قضائية بارزة؟
الاجتهاد القضائي المغربي في هذا الباب موجود، لكنه ليس دائما منشورا أو متاحا بسهولة بالقدر نفسه الموجود في بعض المواد الأخرى. ومع ذلك، تظهر في القضاء الإداري وقضاء الموضوع منازعات تتعلق بالحل، وبالمنح، وبالصفة القانونية، وباستعمال الإعانات العمومية. كما أن المحاكم الإدارية بالرباط والدار البيضاء تنظر، بحسب الأحوال، في قرارات إدارية تمس الجمعيات أو في نزاعات مرتبطة بالمال العام.
ومن التجارب الميدانية التي لا أنسى تفاصيلها، ملف جمعية في الأقاليم الجنوبية دخلت في نزاع حاد بعد توصلها بتمويلات من الخارج بدون استكمال المسطرة. النزاع لم يكن فقط حول المشروعية الشكلية، بل أيضا حول تفسير الغرض الحقيقي من التمويل ومدى انسجامه مع النظام الأساسي. مثل هذه القضايا تذكرنا بأن الوثائق، لا الخطابات، هي التي تحسم كثيرا من النزاعات.
كيف يمكن التسوية قبل الوصول إلى العقوبة؟
إذا اكتشفت الجمعية وجود خلل: تمويل لم يوثق، تبرع لم يثبت، منحة لم تبرر، أو تحويل أجنبي وقع قبل الإذن، فالأفضل هو المبادرة السريعة إلى التدقيق الداخلي ثم طلب الاستشارة القانونية ثم التواصل مع الجهة المختصة حيث يلزم. أحيانا يمكن إعداد تقرير تفسيري، واستكمال الوثائق، وإعادة تنظيم المحاسبة، وعرض الأمر على الجمع العام، وربما مراسلة الأمانة العامة للحكومة أو الجهة المانحة أو السلطة المحلية بحسب نوع الخلل.
التأخر في المواجهة هو ما يعمق المشكلة. في العمل الجمعوي، مثل العمل المقاولاتي، الوثيقة التي لا تنجز في وقتها تخلق شبهة لا مبرر لها.
دليل عملي: ما الذي يجب على كل جمعية فعله بحسب نوعها؟
الجمعية المحلية المصرح بها: الحد الأدنى القانوني
إذا كانت الجمعية محلية بسيطة، لا تتلقى إلا اشتراكات الأعضاء وبعض التبرعات الداخلية المحدودة، فالحد الأدنى العملي يتمثل في: نظام أساسي واضح، لائحة أعضاء المكتب، سجل المنخرطين، دفتر للصندوق، حساب بنكي إن أمكن، وصل لكل مبلغ مهم، وتقرير أدبي ومالي سنوي يعرض على الجمع العام.
هذا يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة يحل 70% من المشاكل الشائعة. كثير من النزاعات الداخلية داخل الجمعيات لا تبدأ من الاختلاف حول الأهداف، بل من غياب أثر مكتوب للمال.
الجمعية المستفيدة من إعانات عمومية: التزامات معززة
هنا يرتفع السقف. يجب حفظ الاتفاقيات، والفواتير، وسندات الأداء، وكشوف الحساب البنكي، وصور الأنشطة عند الحاجة، وكل ما يثبت تنفيذ المشروع. كما يجب إعداد تقرير استعمال الإعانة داخل الأجل المحدد في الاتفاقية أو في أجل معقول بعد نهاية الإنجاز. ومن الأفضل، عمليا، الفصل بين موارد المشروع المدعوم وباقي موارد الجمعية لتسهيل التتبع.
الجمعية المعترف لها بصفة المنفعة العامة
هذه الجمعية تستفيد من امتيازات أكبر، لكن مقابل ذلك تكون مطالبة بانضباط أعلى. من الأفضل جدا أن تعتمد محاسبة أكثر احترافية، وأن تنجز تقارير سنوية مفصلة، وأن تحرص على مطابقة تامة بين مواردها وأهدافها. كما أن أي إهمال في هذا المستوى ينعكس بشكل أسرع على سمعتها وعلى ثقة المانحين.
ولمن يريد التوسع في شروط هذه الصفة ومساطرها، يمكن الرجوع إلى شرح الاعتراف بصفة المنفعة العامة للجمعيات بالمغرب.
الجمعية التي تتلقى تمويلا أجنبيا: المسطرة خطوة بخطوة
أولا، لا تقبل أي تحويل قبل الترخيص. ثانيا، جهز ملفا منسجما: النظام الأساسي، الوصل، محضر آخر جمع عام، عرض المشروع، هوية الجهة المانحة، مبلغ التمويل، طريقة التحويل، وخطة الاستعمال. ثالثا، أودع الطلب لدى الأمانة العامة للحكومة واحتفظ بما يثبت ذلك. رابعا، بعد الموافقة، احرص على أن يكون التحويل مطابقا لما رخص به. خامسا، أمسك محاسبة مستقلة أو شبه مستقلة لهذا التمويل حتى يسهل التبرير.
وعند وجود شك في طبيعة التمويل أو في صياغة الاتفاقية الأجنبية، فالأفضل استشارة مهني مختص. يمكن في هذا السياق الاطلاع على محامين متخصصين في قانون الجمعيات بالرباط أو مواكبة قانونية للجمعيات والمنظمات غير الحكومية بحسب موقع الجمعية وطبيعة المشروع.
الرزنامة السنوية للالتزامات المالية
من المفيد جدا أن تعتمد الجمعية تقويما داخليا ثابتا. مثلا: إقفال الحسابات في نهاية السنة، إعداد التقرير المالي خلال الشهرين الأولين، الدعوة إلى الجمع العام داخل أجل أقصاه 6 أشهر، تحضير ملف الإعانات الجديدة، تسوية وضعية الاشتراكات، أرشفة الوثائق، والتأكد من أن كل تمويل خاص أو أجنبي موثق ومصرح به أو مرخص له حسب الحالة.
هذه الرزنامة توفر وقتا ومالا. لأن كلفة الفوضى غالبا أعلى من كلفة التنظيم. وحتى من الناحية العملية، فإن مصاريف بسيطة مثل المصادقة على الإمضاءات أو نسخ الوثائق أو الترجمة المحلفة أو أتعاب محاسب تكون أقل بكثير من كلفة نزاع أو مراقبة أو وقف تمويل.
خاتمة: الامتثال المالي ليس عبئا بل ضمان لاستمرار الجمعية
الخلاصة التي يجب الخروج بها واضحة. تمويل الجمعية في المغرب محكوم بقواعد قانونية دقيقة، حتى لو بدت بعض النصوص قديمة أو بعض الممارسات الإدارية غير موحدة. الاشتراكات يجب ضبطها. التبرعات يجب توثيقها. الإعانات العمومية يجب تبريرها. التقارير المالية يجب عرضها. والتمويل الأجنبي يحتاج، دون لف أو دوران، إلى ترخيص مسبق من الأمانة العامة للحكومة.
وهذا الامتثال لا يحمي الجمعية فقط، بل يحمي أيضا أعضاء مكتبها. لأن المسؤولية الشخصية للمسيرين ليست فرضية بعيدة. قد تقوم عند الخطأ الجسيم، أو سوء التدبير، أو خيانة الأمانة، أو تلقي أموال بالمخالفة للنصوص. لذلك فاستثمار بعض الوقت والمال في التنظيم القانوني والمحاسبي منذ البداية ليس رفاهية، بل هو جزء من حسن التسيير.
كما أن النقاش الذي أعادته إلى الواجهة أرقام التمويلات الأجنبية المصرح بها، ومن بينها رقم 848 مليون درهم المتداول في النقاش العام، يجب أن يفهم في إطاره السليم: لسنا فقط أمام سؤال من أين تأتي الأموال، بل أيضا كيف تصرف، وكيف تراقب، وهل تحترم الجمعية القانون في كل خطوة.
ثم هناك نقطة أخيرة. منذ سنوات، يثار الحديث عن إصلاح شامل لقانون الجمعيات بالمغرب. الحاجة إليه حقيقية، خاصة في جانب المحاسبة والرقمنة وتوحيد المساطر. لكن إلى أن يقع ذلك، يبقى ظهير 1958 وتعديلاته هو المرجع العملي الواجب احترامه. ومن الحكمة، قبل أي تمويل مهم أو شراكة خارجية أو جمع عمومي أو طلب منفعة عامة، أن تتم استشارة مختص. يمكن أيضا الرجوع إلى دليل تأسيس الجمعيات بالمغرب، أو إلى شرح مسطرة حل الجمعية والطعون الممكنة، أو إلى مواكبة ضريبية متخصصة للجمعيات عند وجود إشكالات جبائية.
في النهاية، الجمعية التي تحترم القانون المالي لا تصبح فقط أكثر أمانا، بل أيضا أكثر مصداقية أمام المنخرطين والمانحين والإدارة والقضاء. وهذا، بصراحة، هو رأس المال الحقيقي لأي عمل جمعوي جاد.

