مقدمة: أراضي الجموع السلالية في المغرب ليست مجرد عرف، بل نظام قانوني كامل
حين نتحدث عن أراضي الجموع السلالية في المغرب، فنحن لا نتحدث عن ملف هامشي أو بقايا تاريخية من زمن القبائل فقط، بل عن رصيد عقاري ضخم يناهز، بحسب المعطيات المتداولة في التقارير العمومية، حوالي 15 مليون هكتار. هذا الرقم وحده يفسر لماذا أصبح موضوع partage terres collectives Maroc وحقوق ذوي الحقوق السلاليين من أكثر المواضيع حساسية، خاصة في المناطق التي عرفت توسعاً عمرانياً أو مشاريع استثمارية فلاحية وصناعية وطاقية.
في الممارسة، كثير من الناس يخلطون بين الأرض السلالية والأرض الملك. والخلط هنا ليس بسيطاً. لأن الأرض الملك تخضع لقواعد الملكية الخاصة المنصوص عليها في ظهير التحفيظ العقاري المؤرخ في 12 غشت 1913، كما تم تتميمه وتعديله، وأيضاً لمدونة الحقوق العينية الصادرة بالقانون رقم 39.08. أما الأرض السلالية، فهي مال جماعي يعود إلى جماعة سلالية أو جماعة إثنية، وتخضع اليوم أساساً للقانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6866 بتاريخ 20 يونيو 2019.
عملياً، هذه الأراضي كانت لسنوات طويلة محكومة بتوازن دقيق بين العرف والنص. الناس في البادية كانوا يقولون: العرف هو الذي يحكم. لكن القانون جاء ليقول شيئاً آخر: نعم، للعادات مكانها، لكن لا يمكن أن تعلو على النص، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالمساواة، وبضبط مساطر التفويت، وبحماية المال الجماعي من العبث.
أذكر هنا، من واقع ملفات عالجتها، حالة جماعة سلالية بمنطقة سوس. الأرض كانت في حكم غير المستغلة لسنوات، ثم فجأة تغيّر كل شيء مع الإعلان عن مشروع استثماري مرتبط بالطاقة الشمسية. هنا، كما يقال بين المشتغلين بالعقار، “خرجوا الحاسبات”. من هو صاحب الحق؟ كم عدد المستحقين؟ كيف تُحسب الأنصبة؟ هل التعويض يوزع بالتساوي؟ وهل النساء داخلات في اللائحة أم لا؟ هذه الأسئلة لم تعد نظرية. صارت أسئلة مال حقيقي، وأحياناً نزاع عائلي وقبلي وقضائي حاد.
ولمن يريد التوسع في هذا الباب، ففهم القانون العقاري القروي بالمغرب أصبح اليوم ضرورة، لا فقط للمحامين والطلبة، بل أيضاً للمواطنين، وللمستثمرين، ولأفراد الجاليات المغربية الذين يعودون ليكتشفوا أن أرض الأجداد ليست ملكاً خاصاً كما كانوا يظنون.
ما هي الأرض السلالية؟ تعريفها وأصلها التاريخي
الأرض السلالية هي أرض مملوكة على وجه الجماعة لفائدة جماعة سلالية، أي مجموعة بشرية تربط أفرادها روابط النسب أو الانتماء التاريخي أو الاستقرار المعترف به محلياً. الانتفاع منها يكون وفق ضوابط الجماعة، تحت رقابة السلطة الوصية. لذلك فهي ليست ملكاً فردياً قابلاً للبيع الحر من طرف أي شخص يدعي أن له فيها “نصيباً”.
هذا التصور يجد جذوره في ظهير 27 أبريل 1919 المنظم للوصاية الإدارية على الجماعات وضبط تدبير أملاكها وتفويتها. هذا الظهير كان هو النص المؤسس لقرابة قرن كامل، قبل أن تأتي إصلاحات 2019 لتعيد ترتيب البيت القانوني من جديد.
لماذا أصبح موضوع القسمة بالغ الأهمية اليوم؟
السبب بسيط: قيمة العقار ارتفعت. الأرض التي كانت بالأمس مجرد مرعى أو أرض بورية، أصبحت اليوم موضوع تجزئات، أو مشاريع استثمار، أو رهانات مرتبطة بالتوسع الحضري. وهنا ظهر التوتر الكبير بين terres collectives et droit coutumier maroc من جهة، وبين متطلبات الأمن العقاري والاستثمار والمساواة من جهة ثانية. القانون الجديد حاول أن يضبط هذا التحول. نجح في أمور، وترك فراغات في أمور أخرى. وهذه هي الحقيقة بلا تجميل.
الإطار القانوني: من ظهير 1919 إلى إصلاح 2019 ثم مرسوم 2020
ظهير 27 أبريل 1919: النص المؤسس
قبل صدور القانون 62.17، كان المرجع الأساسي هو ظهير 27 أبريل 1919. هذا الظهير وضع القاعدة الجوهرية: أملاك الجماعات ليست أموالاً خاصة للأفراد، بل أموال جماعية تخضع للوصاية الإدارية. ومن مقتضياته الأساسية أن تدبير هذه الأراضي، والتفويتات التي تهمها، لا تتم بكيفية حرة، بل تحت مراقبة السلطة.
كرس ظهير 27 أبريل 1919 مبدأ خضوع أملاك الجماعات السلالية للوصاية الإدارية، ومنع التصرفات الفردية الخارجة عن المساطر القانونية في الأملاك الجماعية.
هذا الظهير، مع أهميته التاريخية، كان يعاني من مشكلة واضحة: كثير من التفصيلات العملية بقيت رهينة المناشير الإدارية والممارسة المحلية. وهذا ما فتح الباب لاجتهادات متناقضة بين الأقاليم، بل أحياناً بين قيادة وأخرى داخل الإقليم نفسه.
القانون رقم 62.17: إصلاح هيكلي لا مجرد تعديل تقني
جاء القانون رقم 62.17 ليضع قواعد أوضح. وهو منشور بالجريدة الرسمية عدد 6866 بتاريخ 20 يونيو 2019. هذا القانون لم يكتف بإعادة صياغة المفاهيم، بل غيّر فعلاً بعض التوازنات القديمة. أهم نقطة يعرفها الجميع هي إدماج النساء السلاليات صراحة ضمن ذوي الحقوق، لكن الإصلاح لا يقف هنا.
من بين المواد الجوهرية في هذا القانون، تبرز المادة 6 التي لها وقع عملي كبير جداً. فهي تنص على أن أعضاء الجماعة السلالية، رجالاً ونساءً، يتمتعون على قدم المساواة بحقوق الانتفاع من أملاك الجماعة السلالية وفقاً للتشريع الجاري به العمل.
المادة 6 من القانون 62.17: يتمتع أعضاء الجماعة السلالية، نساءً ورجالاً، على قدم المساواة بالحقوق المخولة لهم وفق أحكام هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه.
هذه المادة حسمت نقاشاً ظل لسنوات رهين شد وجذب بين العرف والمذكرات الوزارية والاحتجاجات الاجتماعية. وبصراحة، هي من أهم التحولات التي عرفها الدور الفونسيي القروي المغربي في العقد الأخير.
القانون نفسه نظم أجهزة الجماعة السلالية، ودور نائب الجماعة السلالية، وكيفية إعداد لوائح ذوي الحقوق، وآليات التدبير والتفويت والكراء والاستثمار، ثم حالات التصفية والتوزيع العيني أو النقدي.
مرسوم رقم 2.20.477 بتاريخ 25 نونبر 2020: هنا بدأت “الحاسبات” فعلاً
المرسوم رقم 2.20.477 الصادر في 25 نونبر 2020، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 6942 بتاريخ 3 دجنبر 2020، جاء لتطبيق القانون 62.17. وهذا المرسوم هو الذي أعطى للمقتضيات العامة روحاً عملية. من دونه، كان كثير من النصوص سيبقى نظرياً.
لماذا يقال في الأوساط العقارية: أخرجوا الحاسبات، المرسوم وصل؟ لأن المرسوم ضبط إجراءات إعداد اللوائح، والمداولات، وكيفية اتخاذ القرارات، وبعض الجوانب المرتبطة بالتقييم والتوزيع. بمعنى آخر، لم يعد النقاش فقط: هل هناك حق أم لا؟ بل صار: كم يساوي هذا الحق؟ وكيف يثبت؟ ومتى يصرف؟
في تقديري، المرسوم خطوة متقدمة، لكنه لم يحل كل الإشكالات. فمثلاً، النصوص شيء، والواقع الميداني شيء آخر. السلطة المحلية في بعض المناطق متفاعلة ومنظمة، وفي مناطق أخرى ما زال الملف يدار بعقلية قديمة، فيها كثير من التردد والغموض.
العلاقة مع قانون التحفيظ العقاري ومدونة الحقوق العينية
هنا نقطة دقيقة يجب الانتباه لها. الأرض السلالية لا تعيش خارج المنظومة العقارية العامة. متى تم تحفيظها أو الشروع في تحفيظها، فإن قواعد ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري تصبح حاضرة بقوة، إلى جانب قانون 14.07 المتعلق بالمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية. لذلك، أي حديث عن procédure partage terres tribales Maroc دون فهم وضعية التحفيظ هو حديث ناقص.
ولهذا السبب تحديداً، من المفيد الرجوع إلى دليل التحفيظ العقاري بالمغرب قبل بدء أي مسطرة قسمة أو تصفية، لأن كثيراً من الملفات تتعثر لا بسبب أصل الحق، بل بسبب غياب التسوية العقارية التقنية.
من هم ذوو الحقوق السلاليون؟ ومن يثبت له الاستحقاق؟
مفهوم ذي الحق السلالي
ذو الحق، أو المستحق، هو العضو المعترف بانتمائه إلى الجماعة السلالية، والمقيد في اللائحة الرسمية لذوي الحقوق، أو الذي يثبت قانوناً أحقيته في الإدراج ضمنها. الأمر لا يتوقف على مجرد ادعاء شفهي من نوع: “هذه أرض جدودي”. في ملفات الأراضي السلالية، الوثيقة والإثبات والإدراج في اللائحة عناصر حاسمة.
تُمسك هذه اللوائح بتنسيق بين نائب الجماعة السلالية والسلطة المحلية، خاصة القائد، وتخضع للتدقيق والمراقبة. والمشكل العملي أن كثيراً من اللوائح قديمة، ولم تُحيّن لسنوات، بل أحياناً لعقود. فتجد متوفين ما زالوا ظاهرين، وتجد نساء أو أبناء أو مطلقات أو مهاجرين أقصوا بلا سند قانوني واضح.
معايير الانتماء: النسب، الإقامة، والاعتراف الجماعي
في الواقع المغربي، معايير الاستحقاق كانت تاريخياً مختلطة. هناك النسب، وهناك الانتماء القبلي، وهناك الاستقرار، وهناك الاعتراف داخل الجماعة أو الجماعة النيابية. لكن بعد 2019، لم يعد ممكناً استعمال هذه المعايير بطريقة تمييزية أو اعتباطية.
عملياً، الملف يبدأ غالباً بهذه الوثائق:
- البطاقة الوطنية للتعريف؛
- رسم الولادة؛
- شهادة السكنى أو شهادة الانتماء للجماعة السلالية؛
- شهادة أو إفادة من نائب الجماعة السلالية؛
- نسخة، إن أمكن، من لائحة ذوي الحقوق؛
- كل ما يفيد الصلة العائلية أو الانتفاع السابق أو الإدراج في مقررات سابقة.
في بعض الملفات، خاصة في المناطق التي تعرف نزاعاً بين الفروع العائلية، تصبح الخبرة الاجتماعية والإدارية لا تقل أهمية عن الوثائق المدنية. لأن أصل النزاع يكون: هل هذا الفرع ما زال جزءاً من الجماعة أم لا؟
النساء السلاليات: من التهميش العرفي إلى الاعتراف القانوني
قبل إصلاح 2019، كان إقصاء النساء من الانتفاع أو من التعويضات شائعاً في عدد من المناطق. صحيح أن دورية وزارة الداخلية لسنة 2008 فتحت الباب جزئياً، لكن الحسم الحقيقي جاء مع القانون 62.17، خاصة المادة 6 منه.
في ملف من منطقة مراكش-الحوز، عالجنا وضعية امرأة مطلقة عادت إلى دوارها الأصلي بعد سنوات من الزواج. حين طالبَت بحقها في التعويض عن تفويت جزء من الأرض السلالية، قيل لها صراحة: “النساء لا يدخلن”. هذا الكلام كان يقال بثقة قبل 2019. اليوم، من الناحية القانونية، هذا الكلام خاطئ. وإذا ثبت انتماؤها للجماعة، فلها الحق في الإدراج وفي الاستفادة، شأنها شأن الرجل.
ومن يريد التعمق في هذه الزاوية تحديداً، فموضوع الحقوق العقارية للنساء القرويات بالمغرب أصبح اليوم من أهم ملفات العدالة المجالية والاجتماعية.
الورثة والأجيال الجديدة: هل ينتقل الحق تلقائياً؟
هنا يجب الحذر. الحق السلالي لا يشتغل دائماً بمنطق الإرث المدني الكلاسيكي كما هو الحال في الأموال الخاصة. نعم، وفاة المستحق قد تفتح باب إدراج من يخلفه في الاستحقاق وفق ضوابط الجماعة والقانون، لكن الأمر ليس آلياً كما في التركة الخاصة. ويختلف الوضع حسب طبيعة الحق: هل نحن أمام انتفاع جماعي؟ تعويض نقدي؟ قسمة عينية؟ لائحة جديدة؟
لذلك، من الخطأ الكبير أن يظن الابن أو الحفيد أن حقه محفوظ لمجرد أن أباه أو جده كان من ذوي الحقوق. يجب تتبع اللوائح والطعن عند الاقتضاء داخل الآجال، وإلا قد تضيع الفرصة.
مسطرة قسمة أراضي الجموع السلالية في المغرب: خطوة بخطوة
قبل أي شيء: هل الأرض محفظة أم في طور التحفيظ أم غير محفظة؟
هذا هو السؤال الأول الذي يجب طرحه. لأن الإجراءات تختلف عملياً. إذا كانت الأرض غير محفظة، فإن القسمة قد تتطلب أولاً تسوية وضعيتها العقارية، بما في ذلك التحديد والرفع الطبوغرافي وطلب التحفيظ عند الاقتضاء. وإذا كانت في طور التحفيظ، فهناك ملاحظات وتعرضات ومساطر قد تؤخر الملف سنوات.
بصراحة، كثير من الناس يبدأون مسطرة القسمة قبل التأكد من الوضعية العقارية، ثم يكتشفون لاحقاً أن العقار موضوع تعرض أو نزاع حدودي أو أن الرسم العقاري أصلاً غير موجود. هنا تضيع الأشهر وربما السنوات.
دور الجماعة السلالية والنائب
القانون 62.17 أعطى مكانة مركزية لمؤسسات الجماعة السلالية، لكن مع مراقبة السلطة. نائب الجماعة السلالية ليس مالكاً، وليس قاضياً، وليس سلطة تقرير مطلقة. هو حلقة وصل وتمثيل وتدبير ضمن الحدود القانونية. وهذه نقطة يغفل عنها كثيرون. أحياناً يُعامل النائب في الدواوير كأنه صاحب القرار النهائي. هذا غير صحيح.
القرارات الأساسية، ومنها ما يتعلق بالتفويت أو التوزيع أو الاستغلال، تمر عبر آليات جماعية وإدارية محددة. والسلطة الوصية، ممثلة أساساً في العامل أو من ينوب عنه بحسب الحالات، لها دور حاسم في المصادقة والمراقبة.
الأغلبية المطلوبة واتخاذ قرار القسمة
في مسطرة القسمة، لا يكفي أن يطالب بعض الأفراد منفردين بالتوزيع ثم يفرضونه على الجميع. القانون نظم آليات المداولة واتخاذ القرار داخل الجماعة السلالية. وهنا تظهر أهمية النصوص التطبيقية والقرارات الإدارية المرتبطة بها. في التطبيق، يتم الرجوع إلى محاضر المداولات، ولوائح الحضور، والإعلانات، والتأشيرات الإدارية.
ما ألاحظه عملياً هو أن كثيراً من النزاعات لا تنشأ بسبب مبدأ القسمة نفسه، بل بسبب طريقة اتخاذ القرار: هل تم استدعاء الجميع؟ هل اللائحة صحيحة؟ هل المحضر سليم؟ هل تم احترام التمثيلية؟ هذه التفاصيل الإجرائية قد تبدو ثانوية، لكنها في القضاء الإداري قد تقلب الملف كله.
التحديد والفرز والرفع الطبوغرافي
بعد المبدأ، تأتي التقنية. وهنا يدخل دور المهندس المساح الطبوغرافي. التحديد والفرز ليسا مجرد رسم تقريبي على الورق. يجب تحديد حدود العقار، مساحته، طبيعته، مجاله، الارتفاقات المحتملة، والوضعية المادية للمستغلين الحاليين.
في المتوسط، أتعاب المهندس المساح قد تتراوح بين 3000 و15000 درهم بحسب المساحة، وموقع العقار، وتعقيد الملف. في الأراضي الكبيرة أو المتنازع حول حدودها، قد ترتفع الكلفة أكثر. وتضاف إلى ذلك مصاريف النسخ، التنقل، المصادقات، والرسوم الإدارية.
التحفيظ العقاري ودور الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية
حين تكون القسمة مرتبطة بفرز حصص أو بتصفية تؤدي إلى رسوم مستقلة أو أوضاع قابلة للتقييد، فإن المرور عبر الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية يصبح أساسياً. والاطلاع على الوضعية العقارية من بوابة ANCFCC خطوة بسيطة لكنها مفيدة جداً قبل صرف الوقت والمال.
رسوم التحفيظ والعمليات المرتبطة به تختلف بحسب القيمة وطبيعة العملية. ولا يمكن إعطاء رقم موحد صالح لكل الملفات، لكن من الناحية العملية يجب توقع مصاريف إضافية فوق أتعاب المهندس والمحامي، خصوصاً إذا كانت هناك عمليات فرز أو رسوم جديدة أو تقييدات لاحقة.
القسمة العينية أم التصفية النقدية؟
ليس كل ملف ينتهي بتوزيع قطع أرضية على ذوي الحقوق. أحياناً تكون القسمة العينية ممكنة، خاصة إذا كانت الأرض قابلة للتقسيم دون إضرار بقيمتها أو بوظيفتها. وأحياناً يكون الحل هو التصفية النقدية، أي بيع أو تفويت الأرض أو جزء منها وفق المساطر القانونية، ثم توزيع العائد على ذوي الحقوق.
الفرق بين الأمرين كبير. في القسمة العينية، يحصل المستحق على قطعة أو حصة مفرزة. في التصفية النقدية، يحصل على مبلغ مالي يمثل نصيبه في العائد. وهنا تبدأ أعقد الأسئلة: كيف نحدد القيمة؟ هل نعتمد القيمة الإدارية أم السوقية؟ وهل التوزيع متساوٍ؟
من حيث المدة، إذا كان الملف بسيطاً والأرض محددة وعدد ذوي الحقوق محدوداً وهناك توافق نسبي، فقد تستغرق المسطرة 18 إلى 24 شهراً. أما إذا كانت الأرض غير محفظة أو توجد اعتراضات على اللوائح أو نزاع حول الحدود أو قيمة التعويض، فقد تمتد المدة إلى خمس سنوات أو أكثر. لنكن صرحاء: هذا النوع من الملفات مرهق، وقد رأيت عائلات تتعب نفسياً ومالياً قبل أن تصل إلى نتيجة.
تصفية أراضي الجموع السلالية وحساب التعويضات: كيف تُحتسب الأنصبة؟
القاعدة العامة: قيمة إجمالية تقسَّم على عدد ذوي الحقوق
في أبسط صورة، يتم احتساب نصيب كل مستحق انطلاقاً من القيمة الإجمالية الصافية للعقار أو للعائد، ثم تقسيمها على عدد ذوي الحقوق المستوفين للشروط والمقيدين في اللائحة النهائية. لكن هذه الصورة المبسطة تخفي وراءها تفاصيل كثيرة: هل كل ذوي الحقوق في نفس المرتبة؟ هل هناك استثناءات محلية مشروعة؟ هل يتعلق الأمر بانتفاع دوري أم بتصفية نهائية؟
القانون 62.17، خاصة في المواد المتعلقة بالتصفية والتفويت وتوزيع العائد، وضع إطاراً عاماً، لكن التطبيق يظل رهيناً بقرارات إدارية وخبرات ميدانية دقيقة. لذلك، من الناحية العملية، لا أنصح أبداً بالاعتماد على حسابات شفوية داخل الدوار أو على تقديرات “السماسرة”.
القيمة الإدارية أم القيمة التجارية؟ هنا يولد النزاع
في ملفات كثيرة، يكون الخلاف الحقيقي ليس حول من له الحق، بل حول كم يساوي الحق. السلطة أو لجنة التقييم قد تعتمد قيمة تعتبرها مناسبة، بينما يرى ذوو الحقوق أن القيمة الحقيقية في السوق أعلى بكثير، خصوصاً في الأراضي شبه الحضرية أو القريبة من مشاريع طرق أو تجزئات أو مناطق صناعية.
أتذكر ملفاً بمنطقة الرباط-سلا، حيث كانت جماعة سلالية تناقش تعويضاً عن عقار أصبح عملياً داخل المجال العمراني. التقييم الإداري كان، بصراحة، دون مستوى الواقع السوقي بكثير. هنا كان لا بد من خبرة مضادة أو على الأقل تقييم خاص موازٍ لإسناد التفاوض أو الطعن. وهذا ما أنصح به دائماً: لا تسلّم بالتقييم الأول إذا كانت المؤشرات السوقية تقول العكس.
هل التوزيع متساوٍ دائماً؟
الأصل في كثير من حالات التصفية أن التوزيع يتم بين ذوي الحقوق المعترف بهم وفق القواعد المعمول بها داخل الجماعة وطبقاً للقانون، مع احترام المساواة وعدم التمييز، خاصة على أساس الجنس. لكن بعض الملفات تطرح إشكالات مركبة: مستغل فعلي منذ سنوات، غائب عن المنطقة، وارث جديد، نزاع حول الانتماء، أو تمييز بين الانتفاع الدوري والتصفية النهائية. هنا لا توجد وصفة جاهزة، بل قراءة دقيقة للملف ومحاضره ولوائحه.
الجبايات والرسوم
من الناحية الجبائية، يجب الانتباه إلى أن بعض العمليات قد تستفيد من معاملة خاصة أو إعفاءات أو رسوم مخففة بحسب طبيعة العملية والنصوص الجبائية الجاري بها العمل، ومنها مقتضيات المدونة العامة للضرائب. وتثار أحياناً الإحالة على بعض مواد المدونة، ومنها المادة 129 في سياقات معينة مرتبطة بعمليات عقارية خاصة، لكن التكييف الجبائي يختلف من حالة إلى أخرى. لذلك، في الملفات ذات القيمة الكبيرة، من الحكمة استشارة مختص في القانون العقاري أو مستشار جبائي قبل التوقيع على أي وثيقة.
حقوق النساء السلاليات بعد 2019: النص واضح، لكن الواقع ما زال يقاوم
منشور 2008 كان بداية، لكن القانون هو الحسم الحقيقي
قبل 2019، كانت النساء السلاليات يعتمدن في جزء من مطالبهن على مناشير وزارة الداخلية وعلى الضغط الجمعوي والحقوقي. هذه الأدوات كانت مفيدة، لكنها ليست بقوة القانون. اليوم تغير الوضع. المادة 6 من القانون 62.17 منعت التمييز القائم على الجنس في التمتع بالحقوق السلالية.
المادة 6 من القانون 62.17 قطعت مع أي عرف مخالف يقصي النساء من حقوق الانتفاع أو الاستفادة أو التعويض داخل الجماعة السلالية.
هذا التحول يعني عملياً أن femmes rurales terres soulaliyates لم يعد مجرد شعار حقوقي، بل أصبح حقاً قابلاً للمطالبة به إدارياً وقضائياً.
المقاومة على الأرض ما زالت موجودة
مع ذلك، لنكن واقعيين. في بعض المناطق، خاصة حيث ما زالت البنية التقليدية قوية، يستمر رفض تسجيل النساء أو إشراكهن الكامل في الاستفادة. أحياناً يكون الرفض صريحاً، وأحياناً يأتي في صورة مماطلة: “ارجعي غداً”، “اللائحة لم تخرج بعد”، “الملف عند القائد”، “ننتظر التعليمات”.
في تقديري، المحاكم الإدارية في بعض المدن الكبرى، ومنها الرباط في عدد من الملفات، تبدو أكثر استعداداً لاستحضار روح الإصلاح من بعض البنيات المحلية المتشبثة بالماضي. وهذا ليس حكماً مطلقاً، لكنه انطباع مهني تفرضه الممارسة.
كيف تدافع المرأة السلالية عن حقها؟
عملياً، تبدأ الخطوة الأولى بطلب الإدراج في لائحة ذوي الحقوق أو الاعتراض على الإقصاء. يجب تدعيم الطلب بالوثائق المدنية، وشهادة الانتماء، وكل ما يفيد الصلة بالجماعة. وإذا صدر قرار صريح أو ضمني بالرفض، يمكن سلوك الطعن الإداري ثم دعوى أمام المحكمة الإدارية داخل الأجل القانوني، وغالباً ما يجري الحديث عملياً عن أجل 60 يوماً من تاريخ العلم اليقيني بالقرار المطعون فيه في عدد من المنازعات الإدارية.
ومن الناحية العملية، إذا كانت المرأة في مراكش أو الحوز أو المناطق المجاورة، فقد يكون من المفيد الاستعانة بمحام متمرس في القضايا العقارية بمراكش، لأن الملفات السلالية تحتاج فهماً مزدوجاً: إداري وعقاري واجتماعي في الوقت نفسه.
الشياع في الأراضي القبلية: المخاطر والمخارج القانونية
هل يطبق مبدأ “لا يجبر أحد على البقاء في الشياع”؟
في القانون المدني العام، نجد القاعدة المعروفة التي مؤداها أن الشريك لا يجبر على البقاء في الشياع. ويُستحضر أحياناً في هذا السياق الفصل 969 من قانون الالتزامات والعقود في النقاشات العملية، وإن كان الإطار الأدق في قسمة الأموال الشائعة يتوزع بين قواعد متعددة بحسب طبيعة المال والنظام القانوني المطبق عليه. لكن في الأراضي السلالية، الوضع استثنائي. لأنها تخضع لنظام خاص يجيز استمرار التدبير الجماعي وعدم تفكيك المال المشترك بمجرد رغبة فرد واحد.
بمعنى أوضح: لا يمكن إسقاط قواعد الشياع في الأموال الخاصة على الأراضي السلالية إسقاطاً آلياً. فهنا نحن أمام مال جماعي له وظيفة اجتماعية وتاريخية وقانونية خاصة.
التصرفات العرفية غير الرسمية: أخطر فخ
أخطر ما يقع فيه الناس هو التوقيع على عقود عدلية أو عرفية تتعلق بأرض سلالية على أساس أن شخصاً ما “باع نصيبه”. في الأصل، هذا النصيب الفردي غير قابل للبيع الحر لشخص أجنبي عن الجماعة ما لم تمر العملية عبر المساطر القانونية الخاصة بالتفويت أو التصفية أو القسمة المقررة قانوناً.
رأيت ملفات كثيرة ضاعت فيها أموال لأن المشتري اعتمد على ورقة عرفية أو شهادة محلية، ثم اكتشف لاحقاً أن العملية لا تنتج أثراً قانونياً حقيقياً. لذلك أقولها بصراحة: لا توقّع أي عقد يتعلق بأرض سلالية قبل التحقق من وضعها القانوني لدى السلطة والمحافظة العقارية.
هل يمكن الخروج من الشياع ودياً أو قضائياً؟
إذا أمكن التوافق داخل الجماعة، فقد تسلك القسمة أو التصفية المسار الإداري المنظم قانوناً. أما إذا وقع نزاع بين أفراد حول الاستحقاق أو حول آثار التوزيع، فقد يدخل القضاء الابتدائي على الخط في بعض الجوانب المدنية المرتبطة بالعلاقات بين الأشخاص، بينما تبقى القرارات الإدارية للسلطة الوصية من اختصاص المحكمة الإدارية.
في بعض الحالات، يتم الحديث عن القسمة القضائية أو qisma، لكن يجب الانتباه دائماً إلى أن خصوصية النظام السلالي قد تجعل الحل القضائي المدني وحده غير كافٍ ما لم تُحسم الخلفية الإدارية واللائحية أولاً.
إذا وقع النزاع: ما هي الطعون والجهات المختصة؟
الطعن الإداري أولاً
في ملفات كثيرة، يبدأ النزاع مع قرار أو موقف صادر عن نائب الجماعة، أو القائد، أو السلطة الإقليمية. هنا من الحكمة البدء بتظلم إداري واضح ومؤرخ ومؤسس، مع الاحتفاظ بنسخة مودعة ومؤشر عليها. هذا التظلم قد يوجه بحسب الحالة إلى القائد، ثم العامل، وربما المصالح المركزية لوزارة الداخلية عند الاقتضاء.
الخطأ الشائع هو الاكتفاء بالاحتجاج الشفهي. في القانون، الشفوي يضيع. أما الوثيقة المودعة فهي التي تصنع الملف.
المحكمة الإدارية أم المحكمة الابتدائية؟
إذا كان النزاع موجهاً ضد قرار إداري يمس لائحة ذوي الحقوق أو المصادقة أو الإقصاء أو التوزيع أو الرفض غير المشروع، فالأصل أن الاختصاص ينعقد لـالمحكمة الإدارية. أما إذا كان النزاع بين أشخاص حول وقائع مادية أو تعويضات أو آثار تصرفات معينة، فقد ينعقد الاختصاص، بحسب التكييف، لـالمحكمة الابتدائية وفق قواعد الاختصاص المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، ولا سيما المقتضيات العامة ذات الصلة بالاختصاص.
لهذا السبب، من الأفضل في الملفات المعقدة استشارة محام متخصص في القانون الإداري بالمغرب إلى جانب خبرته في العقار القروي، لأن خطأ التكييف قد يضيع الوقت والآجال.
أتعاب المحامي والتكلفة التقريبية
هل المحامي إلزامي؟ في المساطر الإدارية البسيطة، لا. لكن في الواقع العملي، بمجرد أن يتحول الملف إلى نزاع جدي أو طعن قضائي أو تصفية ذات مبالغ مهمة، يصبح الاستعانة بمحام أمراً شبه ضروري. الأتعاب قد تتراوح تقريباً بين 3000 و15000 درهم في الملفات المعتادة، وقد ترتفع إذا كان النزاع معقداً أو متعدد الأطراف أو يتطلب خبرات وتنقلات ومتابعات طويلة.
إذا كان الملف في محور الدار البيضاء أو الرباط أو أكادير أو فاس، فالبحث عن محام متمرس في هذا النوع من المنازعات ليس ترفاً. يمكن مثلاً الرجوع إلى محامين متخصصين في القانون العقاري بالدار البيضاء، أو بالرباط، أو بأكادير، أو بفاس بحسب الجهة المختصة ومكان العقار.
نصائح عملية من الميدان: أخطاء يجب تفاديها بلا مجاملة
لا تخلط بين الأرض السلالية وأراضي الكيش أو الأحباس أو الملك
هذا خلط قاتل قانونياً. أرض الملك ملكية خاصة فردية أو مشتركة تخضع للقانون العام. أراضي الجموع السلالية تخضع للقانون 62.17 ونصوصه التطبيقية. أراضي الكيش لها نظام تاريخي مختلف. وأملاك الأحباس تخضع لتنظيم خاص بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. من يخلط بين هذه الأنظمة قد يبني مسطرة كاملة على أساس خاطئ.
لا تدفع مالاً لسمسار يعدك بإدراج اسمك في اللائحة
هذه من أكثر صور الاستغلال انتشاراً. بعض الوسطاء يوهمون الناس بأن لديهم “مفاتيح” عند النائب أو القيادة. الحقيقة أن الإدراج في لائحة ذوي الحقوق مسألة قانونية وإدارية، لا تباع ولا تشترى. وإذا دخلت الرشوة أو الوساطة الفاسدة إلى الملف، فقد تخسر مالك وحقك معاً.
اطلب نسخة من المحاضر والوثائق كلما أمكن
من حقك، متى سمحت وضعيتك القانونية بذلك، أن تسعى للحصول على نسخ من الوثائق الأساسية: محضر المداولة، لائحة ذوي الحقوق، الشهادات الإدارية، المراسلات، والإشعارات. لأن التوثيق هو سلاحك الأول إذا احتجت إلى الطعن لاحقاً.
أتذكر أسرة من ضواحي فاس، ظلت تعتقد لسنوات أن اسمها ما زال وارداً ضمن المستحقين. وعندما ظهرت عملية توزيع، اكتشفت أنها مقصاة من اللائحة منذ مدة. المشكل لم يكن فقط في الإقصاء، بل في أنهم لم يطعنوا داخل الأجل المناسب لأنهم لم يتتبعوا الملف. هنا أقول دائماً: الوقت في هذه الملفات ليس محايداً، بل يعمل ضد الصامتين.
تحقق من الوضعية العقارية على بوابة ANCFCC
خطوة بسيطة، لكن كثيرين يهملونها. معرفة هل العقار محفظ، رقم الرسم إن وجد، هل عليه تقييدات أو تعرضات أو ملاحظات، كلها معطيات أساسية قبل الدخول في أي تفاوض أو نزاع أو أداء لمصاريف.
وفي بعض الجهات ذات الامتداد القبلي القوي، مثل مكناس ونواحيها، تظل هذه النصائح ذات أهمية خاصة، ويمكن عند الحاجة الاستئناس بخبرة محامين في القانون العقاري بمكناس ممن يعرفون خصوصيات العقار الجماعي محلياً.
خلاصة: إصلاح 2019 ومرسوم 2020 فتحا الباب، لكن اليقظة هي التي تحمي الحقوق
ما الذي تغيّر فعلاً؟ تغيّر الكثير. صار هناك إطار قانوني أوضح، وصارت النساء السلاليات معترفاً بهن صراحة، وصارت مساطر التدبير والتصفية أكثر تحديداً، وصار الحديث عن liquidation terres soulaliyates maroc واحتساب الأنصبة أقل غموضاً من السابق. لكن في المقابل، ما زالت هناك مقاومة عرفية، وبطء إداري، وتفاوت بين الجهات، ونقص في التكوين لدى بعض المتدخلين.
في نظري، الإصلاح الحقيقي لن يكتمل إلا حين تصبح لوائح ذوي الحقوق محينة وشفافة، وحين تُعتمد خبرات عادلة في تقييم العقارات، وحين تدرك السلطة المحلية أن دورها ليس إغلاق الأبواب بل تطبيق القانون. كما أن توصيات النموذج التنموي الجديد لسنة 2021 أعادت التذكير بأن إصلاح العقار القروي جزء من إصلاح أوسع للتنمية والعدالة المجالية.
إذا كنت من ذوي الحقوق، أو تظن أنك كذلك، فلا تؤجل. راجع الوثائق، اسأل عن اللائحة، تحقق من وضعية العقار، ولا تنتظر إلى أن يُصرف التعويض أو يتم التفويت ثم تبدأ الشكوى. آنذاك قد يكون الأوان قد فات أو أصبح الملف أعقد بكثير.
ولمن يريد مواكبة مهنية دقيقة في هذا النوع من الملفات، فإن الاستعانة بخبير في القانون العقاري القروي بالمغرب تبقى خطوة ذكية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات القسمة، التصفية، أو الطعون أمام المحاكم الإدارية والابتدائية.

