مقدمة: ظلم عقاري قديم بدأ يتصدّع
في سيدي بنور، أو في نواحي القنيطرة، أو في بعض دواوير الشاوية ودكالة، يتكرر المشهد نفسه بصيغ مختلفة. امرأة ترمّلت بعد سنوات من العمل في أرض كانت أسرتها تستغلها جيلاً بعد جيل. ثم تسمع فجأة أن جزءاً من تلك الأرض السلالية سيدخل في مشروع، أو سيُفَوَّت، أو ستُصرف عنه تعويضات. تذهب لتسأل عن نصيبها، فيقال لها ببساطة: اسمك غير موجود في لائحة ذوي الحقوق. هنا تبدأ الصدمة. لأن المرأة كانت حاضرة في الحرث، والسقي، والحصاد، وتحمل أعباء الأسرة، لكنها كانت غائبة حين يصل الحديث إلى العائد المالي أو إلى الاعتراف القانوني.
هذا ليس استثناءً. بل هو لبّ قضية الأراضي السلالية وحقوق النساء المغربيات. نحن نتحدث عن ملايين الهكتارات من الأراضي الجماعية المنتشرة في عدة جهات من المغرب، وعن مئات الآلاف من النساء اللواتي تأثرن، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمنطق عرفي قديم كان يعتبر الانتفاع الفعلي والقرار الجماعي شأناً ذكورياً. ومع أن المغرب عرف تحولات دستورية وتشريعية مهمة، خاصة بعد دستور 2011، فإن ملف الحق في الانتفاع من الأراضي الجماعية ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية، لأنه يقع في نقطة تماس بين العرف والسلطة المحلية والقانون والاقتصاد.
إصلاح سنة 2019، عبر القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، ثم النصوص التطبيقية المرتبطة به، هزّ هذا التوازن القديم. لأول مرة، لم يعد ممكناً من حيث المبدأ تبرير إقصاء النساء السلاليات فقط لأنهن نساء. النص القانوني تحرك بوضوح نحو إقرار المساواة بين الرجل والمرأة داخل الجماعة السلالية في التمتع بالحقوق المرتبطة بالأرض الجماعية. لكن، وهنا بيت القصيد، النص شيء، والتنزيل على الأرض شيء آخر.
في هذا المقال، سنشرح بهدوء وبدقة ما هي الأرض السلالية أصلاً، وكيف كان يتم إقصاء النساء تاريخياً، وما الذي غيّره إصلاح 2019 عملياً، وما هي حدود هذا الإصلاح، وكيف يمكن للمرأة السلالية اليوم أن تثبت انتماءها وتطالب بحقها في التسجيل والتعويض والانتفاع، وماذا تفعل إذا رُفض طلبها. سنقف أيضاً عند الجهة القضائية المختصة، وآجال الطعن، وبعض التوجهات القضائية والإدارية التي بدأت تتشكل بعد الإصلاح.
إذا كنتِ معنية مباشرة بهذا الملف، أو كنتَ فاعلاً جمعوياً، أو مستثمراً، أو طالب قانون، فستجد هنا قراءة قانونية مبسطة ولكن دقيقة، من داخل الواقع المغربي، وبالاستناد إلى النصوص الأساسية، وعلى رأسها القانون رقم 62.17 كما نُشر بالجريدة الرسمية، وإلى الدليل المرتبط بالقانون العقاري المغربي لفهم الصورة الأشمل.
ما هي الأرض السلالية؟ الإطار القانوني الذي يحكمها في المغرب
تعريف الأرض السلالية وطبيعتها القانونية
الأرض السلالية، أو ما يُتداول أيضاً باسم الأراضي الجماعية، هي أملاك تعود إلى جماعة سلالية أو جماعة إثنية، لا إلى أفرادها على وجه الملكية الفردية الكاملة. المعنى العملي هنا مهم جداً: هذه الأراضي ليست ملكاً خاصاً لكل واحد من ذوي الحقوق على الشياع وفق القواعد العادية المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود أو في مدونة الحقوق العينية، بل هي وعاء جماعي ينتفع به المنتمون إلى الجماعة وفق ضوابط خاصة.
تاريخياً، كان الظهير الشريف المؤرخ في 27 أبريل 1919 هو الحجر الأساس في تنظيم هذا النوع من الأملاك. هذا الظهير وضع قواعد التحديد والمحافظة والإدارة، ورسّخ فكرة أن هذه الأراضي لها وضع قانوني خاص يميزها عن الملك الخاص للأفراد، وعن الأملاك الحبسية، وعن الملك الخاص للدولة. ومن الخصائص التي استقرت في هذا الباب أن الأراضي الجماعية ظلت توصف بكونها غير قابلة للتفويت الحر، وغير قابلة للحجز، وغير قابلة للتقادم المكسب إلا في الحدود التي يسمح بها القانون الخاص المنظم لها.
بعبارة أوضح: المرأة أو الرجل السلالي لا يملك الأرض السلالية كما يملك شقة أو بقعة أرضية محفظة باسمه في المحافظة العقارية. الذي يملكه، في الأصل، هو حق انتفاع أو استغلال أو نصيب في المداخيل أو التعويضات داخل الإطار الجماعي. وهذه نقطة أساسية لأنها تجيب عن سؤال شائع: هل إصلاح 2019 أعطى النساء الملكية الفردية الكاملة للأراضي السلالية؟ الجواب القانوني الدقيق هو: لا، ليس بهذه الصيغة. الإصلاح وسّع وكرّس حق النساء في الانتفاع والمشاركة والاستفادة، لكنه لم يحوّل الطبيعة الجماعية للأرض إلى ملكية فردية مطلقة.
الوصاية الإدارية ودور وزارة الداخلية والسلطات المحلية
ملف الأراضي السلالية في المغرب ارتبط تاريخياً بوصاية الدولة، وبشكل أدق بوزارة الداخلية عبر مديرية الشؤون القروية والسلطات المحلية: القائد، الباشا، العامل، والوالي بحسب الحالة. عملياً، إذا كان هناك نزاع حول لائحة ذوي الحقوق، أو حول استغلال أرض جماعية، أو حول تعويضات ناتجة عن تفويت أو نزع ملكية، فإن السلطة المحلية تكون غالباً أول محطة إدارية في الملف.
هذا الحضور الإداري القوي لم يأت من فراغ. الدولة كانت تعتبر أن تدبير الأملاك الجماعية يحتاج إلى رقابة حتى لا تتحول إلى موضوع نزاعات قبلية أو تفويتات عشوائية. لكن هذه الوصاية نفسها كانت، في بعض الحالات، جزءاً من المشكلة، لأن الإدارة كانت أحياناً تساير الأعراف المحلية التمييزية بدل أن تصححها.
في الواقع الميداني، كثير من النساء السلاليات لا يعرفن حتى اليوم أن أول خطوة عملية ليست الذهاب مباشرة إلى المحكمة، بل إثبات الانتماء للجماعة السلالية لدى السلطة المحلية وطلب التقييد في سجل ذوي الحقوق. هذه المسألة الإدارية هي المفتاح. من دونها، يصبح الحق النظري في القانون ضعيف الأثر.
الجماعة، الجْماعة، والنائب: كيف كانت تُدار هذه الأراضي؟
في الثقافة القانونية والاجتماعية المغربية، نجد كلمات متداولة مثل الجْماعة والنائب والخيمة. المقصود بالجْماعة هنا هو الإطار التقليدي الذي يضم ممثلين عن الجماعة السلالية، وكان يتخذ قرارات مرتبطة بالاستغلال والتوزيع والتمثيل أمام الإدارة. أما النواب فهم الأشخاص الذين يمثلون الجماعة السلالية أمام السلطات، وكان دورهم محورياً في اقتراح أو تثبيت لوائح ذوي الحقوق.
المشكل أن هذا النظام كان، في الغالب، ذكورياً بالكامل. النساء كنّ خارج دائرة القرار، بل وأحياناً خارج دائرة الاعتراف أصلاً. وهذا ما جعل ملف القانون الخاص بالأراضي القبلية وحقوق النساء المغربيات ملفاً يتجاوز التقنية القانونية إلى سؤال العدالة الاجتماعية.
أين تنتشر الأراضي السلالية أكثر في المغرب؟
الأراضي السلالية ليست محصورة في جهة واحدة. نجد كثافة معتبرة لها في دكالة، الشاوية، الغرب، بعض مناطق سوس ماسة، نواحي مراكش، مناطق من الشرق، وكذلك في الأقاليم الجنوبية حيث تتداخل أحياناً خصوصيات قبلية وتاريخية مختلفة. لهذا السبب، فإن تطبيق القانون يختلف من منطقة إلى أخرى. ما يُقبل بسهولة في إقليم قد يواجه مقاومة قوية في إقليم آخر.
ومن المفيد هنا التمييز بين الأراضي السلالية وبين أراضي الجموع الحبسية أو أملاك الأحباس، وبين الملك الخاص للدولة، وبين الأراضي المحفظة باسم أشخاص ذاتيين أو معنويين. الخلط بين هذه الأنظمة يوقع الناس في مشاكل عملية كبيرة، خاصة عند رفع الدعاوى أو عند طلب الوثائق من الإدارة.
كيف كانت النساء يُقصين تاريخياً من الأراضي السلالية؟
منطق “الخيمة” والانتفاع عبر الذكور
قبل إصلاح 2019، كان العرف السائد في عدد من الجماعات السلالية يقوم على فكرة أن الاستفادة من الأرض أو من عائداتها تمر عبر الخيمة أو الأسرة التي يرأسها رجل. هذا يعني أن المرأة كانت تُرى، عملياً، كملحقة بالأب أو الزوج أو الأخ. فإذا كان لها نصيب، فهو يمر عبر الذكر، وليس بوصفها صاحبة حق مستقلة.
في الظاهر، كان هذا يُقدَّم باعتباره تنظيماً اجتماعياً محلياً. لكن في الجوهر، كان تمييزاً عقارياً ضد النساء داخل الجماعات الإثنية. المرأة قد تكون ابنة الجماعة السلالية بالولادة، وقد تبقى في الدوار طيلة حياتها، وقد تشتغل في الأرض أكثر من غيرها، ومع ذلك تُحرم من لائحة ذوي الحقوق لأن العرف يعتبر أن الانتفاع لا يثبت إلا للرجال أو لمن يمثلون “الخيمة”.
النتيجة كانت قاسية في حالات كثيرة. الأرملة قد تشتغل سنوات في أرض الجماعة ثم تُستبعد حين تُصرف التعويضات. المطلقة قد تعود إلى أسرتها الأصلية فلا تجد اسمها في السجلات. العازبة التي لا أخ لها قد تواجه فراغاً قانونياً واجتماعياً. والأسوأ من ذلك أن بعض النساء كنّ يسمعن العبارة نفسها: أنتِ سلالية، ولكن ليس لك حق مالي. وهذا تناقض فاضح.
النساء المتزوجات من خارج الجماعة: عقدة ما زالت قائمة
من أكثر الإشكالات حساسية في هذا الباب وضعية المرأة التي تتزوج رجلاً من خارج جماعتها السلالية. في الممارسة العرفية القديمة، كان هذا الزواج يؤدي أحياناً إلى إسقاط حقها أو تجميده، بدعوى أنها خرجت من الجماعة أو ستنقل المنفعة إلى شخص أجنبي عنها. هذا التعليل كان واسع الانتشار، مع أنه يصطدم اليوم بروح الدستور وبمنطق المساواة.
لكن ينبغي قول الحقيقة كما هي: القانون رقم 62.17 لم يحسم كل التفاصيل المرتبطة بهذه الحالة بشكل صريح ومفصل. لذلك نرى تفاوتاً في التطبيق. بعض السلطات المحلية تتجه إلى الحفاظ على حق المرأة في جماعتها الأصلية بصرف النظر عن زواجها، وبعض البنيات التقليدية ما زالت تقاوم هذا الفهم. هنا يظهر الفرق بين الإصلاح القانوني والإصلاح الثقافي.
تقارير الجمعيات النسائية: الملف لم يكن نظرياً أبداً
جمعيات مثل الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب والرابطة الديمقراطية لحقوق النساء واتحاد العمل النسائي لعبت دوراً حاسماً في إخراج هذا الملف إلى العلن. تقاريرها وشهاداتها الميدانية وثّقت حالات لنساء حُرمن من التعويضات، أو مُنعن من الحضور في الاجتماعات، أو استُبعدن من لوائح ذوي الحقوق رغم انتمائهن الثابت للجماعة.
في الممارسة المهنية، نصادف فعلاً هذا النوع من الملفات. رأيت، مثل كثير من المشتغلين في الميدان، حالات لنساء أرامل عملن في أراضي الجماعة لعقود، ثم حين جاء مشروع أو تفويت أو تعويض، ظهر أبناء أعمام أو أبناء إخوة لم يزر بعضهم المنطقة منذ سنوات، ومع ذلك أُدرجت أسماؤهم واستُبعدت المرأة. إصلاح 2019 جاء تحديداً لتصحيح هذا النوع من الاختلالات، لكن التصحيح لا يقع تلقائياً؛ يحتاج إلى مطالبة ومتابعة ووثائق، وأحياناً إلى منازعة قضائية.
منشور وزارة الداخلية لسنة 2009: بداية التحول قبل القانون
قبل القانون الجديد، كان هناك منعطف مهم تمثل في دورية أو منشور وزارة الداخلية لسنة 2009 الذي دعا إلى تمتيع النساء السلاليات بحقوقهن في الاستفادة من عائدات الأراضي الجماعية. صحيح أن هذه الدورية لم تكن في قوة القانون، ولم تكن كافية وحدها لحسم كل النزاعات، لكنها كانت إشارة سياسية وإدارية واضحة إلى أن منطق الإقصاء لم يعد مقبولاً.
ثم جاء دستور 2011 ليعطي لهذا التوجه سنداً أعلى. فالفصل 19 من الدستور ينص على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية. كما أن الفصل 35 يحمي حق الملكية، مع تنظيمه قانوناً. هذه المقتضيات الدستورية كانت الخلفية التي مهّدت عملياً لإصلاح 2019.
الفصل 19 من دستور 2011: يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية كما صادق عليها المغرب.
إصلاح 2019: ما الذي غيّره القانون رقم 62.17 والظهير الشريف المطبّق له؟
الإطار التشريعي الجديد: من الظهير التاريخي إلى قانون حديث
المنعطف الأساسي حصل مع صدور الظهير الشريف رقم 1.19.115 بتاريخ 7 ذي الحجة 1440 (9 أغسطس 2019) القاضي بتنفيذ القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 6806 بتاريخ 22 أغسطس 2019. هذا النص لم يكن مجرد تعديل تقني. بل أعاد بناء قواعد التدبير والتمثيل والاستفادة في الأراضي الجماعية بمنطق أكثر وضوحاً وحداثة.
أهمية هذا القانون، بالنسبة لموضوعنا، أنه انتقل من مرحلة التوجيه الإداري غير الملزم نسبياً إلى مرحلة الإلزام التشريعي. لم يعد الحديث عن حقوق النساء السلاليات مجرد توصية من وزارة أو مطلب جمعوي. أصبح جزءاً من قاعدة قانونية واجبة الاحترام.
المبدأ الحاسم: المساواة بين الرجال والنساء من ذوي الحقوق
جوهر الإصلاح يتمثل في الإقرار بأن أعضاء الجماعة السلالية، رجالاً ونساءً، يتمتعون بحقوق الانتفاع وفق الشروط القانونية، دون تمييز قائم فقط على الجنس. وهذا هو المعنى العملي لعبارة إصلاح السلاليات والمساواة بين الرجل والمرأة. فالقانون لم يعد يسمح نظرياً بإقصاء المرأة لأنها امرأة، إذا كانت تثبت انتماءها إلى الجماعة المعنية وتتوفر فيها الشروط المعتمدة للاستفادة.
هذا التطور مهم جداً في ملفات التعويضات الناتجة عن التفويت أو عن نزع الملكية أو عن الكراء أو الاستغلال. لأن أكبر الظلم الذي كان يقع هو أن النساء يُتركن خارج الحسابات المالية. ولذلك كان العنوان الصحفي الشهير: أخرجوا الآلات الحاسبة، المرسوم وصل، عنواناً معبّراً. المقصود ببساطة أن دوائر الاستفادة ستتوسع، وأن حساب الأنصبة لم يعد يمكن أن يتجاهل النساء.
ما الذي يقوله القانون بلغة مبسطة؟
عندما نقرأ القانون رقم 62.17 في سياقه العام، نفهم أن المشرّع أراد تنظيم ثلاث مسائل مترابطة: من يمثل الجماعة السلالية؟ كيف تُدار أملاكها؟ ومن هم ذوو الحقوق وكيف تُضبط لوائحهم؟ والمرأة هنا تدخل في صلب السؤال الثالث.
ما يقوله القانون بلغة واضحة: كل شخص يثبت انتماءه إلى الجماعة السلالية المعنية، سواء كان رجلاً أو امرأة، يمكنه أن يطالب بالتقييد ضمن ذوي الحقوق، وأن يستفيد من الحقوق المقررة قانوناً في إطار الجماعة، بما فيها الانتفاع والمداخيل والتعويضات والمشاركة في آليات التدبير وفق الشروط المحددة.
هذا لا يعني، مرة أخرى، أن الأرض تصبح ملكاً فردياً خالصاً للمرأة أو للرجل. لكنها تعني أن المرأة أصبحت مخاطَباً قانونياً كاملاً في ملف الأراضي الجماعية، لا مجرد تابع لذكر من الأسرة.
المرسوم التطبيقي: لماذا كان مهماً إلى هذا الحد؟
كثير من القوانين في المغرب تبقى معلقة الأثر الكامل إلى أن تصدر نصوصها التطبيقية. وهذا ما يفسر أهمية المرسوم رقم 2.19.522 المتخذ لتطبيق القانون رقم 62.17. أهمية هذا المرسوم ليست فقط في التفاصيل الإدارية، بل في أنه يحدد كيف يتم إحصاء ذوي الحقوق، وكيف تُضبط اللوائح، وكيف تدبر بعض العمليات المرتبطة بالتفويت أو الاستغلال أو توزيع العائدات.
في القضايا العملية، هذه التفاصيل هي كل شيء تقريباً. لأن النص العام قد يعترف بحق المرأة، لكن إذا لم تكن هناك آلية واضحة للتسجيل، فسيبقى الحق معلقاً. وإذا لم تكن هناك قواعد لحساب الأنصبة أو توزيع التعويضات، فسيعود القرار إلى المزاج المحلي أو إلى ميزان القوة داخل الدوار. من هنا نفهم لماذا اعتُبر المرسوم لحظة مفصلية في إصلاح الأراضي السلالية ضمن مسار الإصلاح العقاري في المغرب.
تمثيلية النواب ومجالس الجماعة: هل تغيّر ميزان القرار؟
الإصلاح أعاد أيضاً تنظيم مسألة نواب الجماعة السلالية وممثليها. نظرياً، لم يعد مقبولاً أن يستمر تمثيل الجماعة بمنطق يغلق الباب أمام النساء بشكل كلي. صحيح أن التحول هنا ما زال بطيئاً، لكن الإطار القانوني أصبح أوضح في ربط التمثيل والتدبير بالضوابط القانونية لا بالأعراف الإقصائية.
في الواقع، بعض المناطق بدأت تشهد حضوراً أكبر للنساء في النقاشات المتعلقة بالاستفادة والتعويض، بينما ما تزال مناطق أخرى تدور في الحلقة القديمة نفسها. وهذا طبيعي في كل إصلاح عقاري كبير: النص يتحرك بسرعة، والعقلية تتحرك ببطء.
ماذا تغيّر عملياً للنساء السلاليات بعد 2019؟
الحق في الإحصاء والتقييد: الخطوة الأولى قبل كل شيء
أول تغيير عملي وحاسم هو أن المرأة السلالية أصبحت تملك أساساً قانونياً صريحاً للمطالبة بإدراج اسمها في سجل ذوي الحقوق. هذا السجل ليس تفصيلاً إدارياً بسيطاً. هو الوثيقة التي ينبني عليها كل شيء لاحقاً: الحق في الانتفاع، الحق في التعويض، الحق في الحضور والمشاركة، والحق في الطعن إذا وقع إقصاء.
بكلام مباشر: إذا لم يكن اسمك في السجل، فستكونين غالباً خارج القسمة حين تُصرف التعويضات أو تُفتح لوائح الانتفاع. لذلك فإن الحق في الإحصاء هو المعركة الأولى، وربما الأهم.
الحق في نصيب من المداخيل والتعويضات
من أبرز آثار الإصلاح أن المرأة السلالية المقيدة ضمن ذوي الحقوق تستفيد من نصيبها في المداخيل الناتجة عن كراء الأراضي الجماعية، أو استغلالها، أو تفويتها في الحالات المسموح بها قانوناً، أو التعويضات المترتبة عن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة أو إنجاز مشاريع.
وهنا تظهر أهمية السؤال الذي تطرحه كثير من النساء: هل لي حق في التعويض إذا فُوتت الأرض أو نُزعت ملكيتها؟ الجواب من حيث المبدأ هو نعم، إذا كنتِ من ذوي الحقوق ومقيدة في السجل أو قادرة على إثبات أنك أُقصيتِ منه بغير حق. هذا أحد أهم التطبيقات العملية لإصلاح 2019، بل ربما السبب الذي جعل الملف يطفو بقوة في السنوات الأخيرة، لأن قيمة التعويضات في بعض المناطق أصبحت كبيرة جداً.
الحق في المشاركة في الجْماعة واتخاذ القرار
قبل الإصلاح، كانت المرأة غالباً غائبة عن فضاء القرار داخل الجماعة السلالية. اليوم، لم يعد من السهل قانوناً تبرير هذا الإقصاء. صحيح أن التطبيق متفاوت، لكن المبدأ واضح: المرأة ليست فقط مستفيدة مالية، بل عضواً معترفاً به داخل الجماعة، ما يعني حقها في الاطلاع والمشاركة في المساطر ذات الصلة بحقوقها.
هذا التحول مهم لأن الإقصاء لا يقع فقط عند توزيع المال، بل قبله بكثير، حين تُعد اللوائح أو تُتخذ القرارات أو تُصاغ المحاضر. إذا كانت المرأة غائبة عن هذه المراحل، يصبح الدفاع عن حقها لاحقاً أكثر صعوبة.
هل حصلت النساء على الملكية الكاملة؟ هنا يجب التدقيق
من أكثر الأسئلة شيوعاً: هل صار للمرأة حق الملكية الفردية الكاملة في الأرض السلالية؟ قانونياً، يجب التفريق بين الانتفاع داخل الإطار الجماعي وبين الملكية الفردية التامة كما تنظمها مدونة الحقوق العينية. إصلاح 2019 لم ينسف الطبيعة الجماعية للأرض السلالية. لذلك فإن الحديث الأدق هو عن ولوج النساء إلى الحقوق العقارية الجماعية لا عن تحويل الأرض تلقائياً إلى ملك خاص فردي.
هذا التمييز ليس أكاديمياً فقط. له آثار عملية في البيع والرهن والتحفيظ والتوريث. فالمرأة قد يكون لها حق ثابت في الاستفادة والتعويض والمشاركة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تستطيع بيع جزء محدد من الأرض كما لو كان عقاراً محفظاً باسمها الشخصي.
الميراث في الحقوق السلالية: منطقة رمادية ما زالت تثير النزاع
ملف الأراضي الجماعية في المغرب ومسألة تَرِكة المرأة أو انتقال الحق السلالي لا يزال من أكثر الجوانب تعقيداً. إذا كانت المرأة تستفيد بصفتها الأصلية كعضو منتمية إلى الجماعة السلالية، فحقها لا يقوم فقط على وفاة الأب أو غيابه. أما إذا كان وضعها العملي قد ارتبط تاريخياً بمكانة الأب أو الزوج داخل النظام العرفي القديم، فإن السؤال يصبح أعقد: هل ينتقل الحق؟ وكيف؟ وعلى أي أساس؟
القانون الجديد لم يحسم كل هذه التشعبات بتفصيل كافٍ، لذلك ما زالت الحاجة قائمة إلى اجتهاد إداري وقضائي، وأحياناً إلى تدخل تشريعي أكثر دقة مستقبلاً. ولهذا السبب بالذات، فإن أي نزاع مرتبط بوفاة الأب دون أبناء ذكور، أو بحقوق الأرملة، أو بحقوق البنات، يجب دراسته حالة بحالة.
كيف تُثبت المرأة حقها في الأرض السلالية عملياً في 2024؟
الخطوة الأولى: إثبات الانتماء إلى الجماعة السلالية
عملياً، تبدأ المسطرة من القيادة أو الباشوية بحسب النفوذ الترابي، أو عبر السلطة المحلية المختصة بالمجال الذي توجد فيه الأرض. المطلوب هو تقديم طلب يهدف إلى إثبات الانتماء إلى الجماعة السلالية المعنية والتقييد ضمن ذوي الحقوق. ويُرفق الطلب، بحسب كل حالة، بوثائق مثل:
- البطاقة الوطنية للتعريف.
- رسم الولادة.
- دفتر الحالة المدنية أو ما يثبت الروابط العائلية.
- عقد الزواج أو الطلاق عند الاقتضاء.
- شهادات إدارية أو لفيفية أو إفادات من أعضاء معروفين في الجماعة تثبت الانتماء.
- أي وثائق قديمة مرتبطة باستفادة الأسرة من الأرض أو ورود اسم الأب أو الجد في لوائح سابقة.
هذه المسطرة في أصلها مجانية. لكن توجد مصاريف جانبية بسيطة: تصحيح الإمضاء أو المصادقة على نسخ الوثائق قد تكلف في حدود 20 إلى 50 درهماً بحسب طبيعة الوثائق والخدمات، مع مصاريف التنقل وإرسال المراسلات المضمونة إذا استدعى الأمر ذلك.
الخطوة الثانية: طلب الإدراج في سجل ذوي الحقوق
بعد إثبات الانتماء، يجب المطالبة صراحة بإدراج الاسم في سجل ذوي الحقوق. من الأفضل أن يكون الطلب كتابياً ومؤرخاً ومودعاً مقابل وصل أو على الأقل مع إثبات الاستلام. هذه نقطة عملية بسيطة لكنها حاسمة. لأن كثيراً من النزاعات تنهار لاحقاً بسبب غياب ما يثبت أن المعنية بالأمر تقدمت فعلاً بطلبها في تاريخ معين.
في بعض المناطق، يتم تحيين اللوائح ببطء شديد. قد يستغرق الأمر أسابيع أو أشهراً، وأحياناً أكثر، بحسب حجم النزاع المحلي ومدى جاهزية الإدارة والوثائق. لذلك لا ينبغي انتظار لحظة صرف التعويضات للتحرك. من الأفضل المبادرة مبكراً.
إذا وقع الرفض: لا تكتفي بالجواب الشفهي
كثير من النساء يتلقين رفضاً شفهياً من نائب أو من شخص نافذ داخل الجماعة، فيتوقفن عند هذا الحد. هذا خطأ شائع. الرفض الشفهي ليس نهاية المطاف. المطلوب هو تحويل المسألة إلى قرار أو موقف إداري يمكن الطعن فيه. لذلك، إذا قيل لكِ إن اسمك لن يُدرج، قدمي طلباً مكتوباً إلى القائد مع إشعار بالتوصل. وإذا لم يأت الرد، أو جاء سلبياً، يصبح لديكِ أساس أقوى للتحرك الإداري أو القضائي.
في ملفات كثيرة، مجرد سلوك هذا الطريق الجدي يدفع الإدارة إلى إعادة فحص الملف، خصوصاً إذا كان مدعوماً بوثائق سليمة أو بمؤازرة محام أو جمعية حقوقية.
كم تكلف الاستعانة بمحام؟
إذا تطورت المسألة إلى نزاع حقيقي حول تعويضات أو إقصاء من اللائحة أو طعن في قرار إداري، فإن الاستعانة بمحام تصبح، عملياً، خطوة مفيدة جداً، وأحياناً ضرورية. أتعاب المحامي تختلف حسب المدينة وتعقيد الملف وقيمته المالية، لكنها تدور غالباً بين 3000 و15000 درهم في هذا النوع من المنازعات، وقد تقل أو ترتفع حسب الحالة.
في بعض الملفات البسيطة، يمكن الاكتفاء بمواكبة إدارية أولية. أما إذا كان النزاع أمام المحكمة الإدارية، أو كان مرتبطاً بتعويضات مهمة، فمن الأفضل التواصل مع محام في القانون العقاري بسطات إذا كان الملف في الشاوية، أو مع محام متخصص بالجديدة بالنسبة لدكالة، أو مع محام بالقنيطرة في ملفات الغرب، بحسب الاختصاص الترابي.
ما هي طرق الطعن إذا أُقصيت المرأة من حقها؟
التظلم الإداري: من القائد إلى العامل ثم الوزارة
في منازعات الأراضي السلالية، يُنصح غالباً بالبدء بتظلم إداري قبل اللجوء إلى القضاء، خاصة إذا كان النزاع متعلقاً بإقصاء من لائحة أو بعدم الاستجابة لطلب التسجيل. المسار العملي يكون عادة على الشكل الآتي: مراسلة القائد، ثم العامل أو الوالي بحسب الحالة، ثم مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية إذا استمر النزاع.
هذا التظلم مجاني من حيث الأصل. المطلوب فقط هو الدقة: نسخة من الطلب الأول، نسخة من الوثائق المثبتة، وشرح واضح للضرر، مع الاحتفاظ بإثباتات الإرسال والتوصل. كثير من الملفات تُحل في هذه المرحلة إذا كان الإقصاء واضحاً وغير قابل للدفاع قانوناً.
المحكمة الإدارية هي المختصة في القرارات الإدارية
إذا تعلق النزاع بقرار صادر عن سلطة إدارية أو بموقف إداري يمكن اعتباره قراراً ضمنياً بالرفض، فإن الاختصاص ينعقد غالباً لالمحكمة الإدارية، عملاً بمقتضيات القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية. وهنا يجب الانتباه إلى أجل مهم جداً: ستون يوماً للطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة، ابتداء من تاريخ نشر أو تبليغ القرار أو العلم اليقيني به، وفق ما استقر عليه العمل القضائي، مع الإحالة على المادة 23 من القانون رقم 41.90 فيما يخص آجال رفع بعض الدعاوى الإدارية.
المادة 23 من القانون رقم 41.90: ترفع طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة داخل أجل ستين يوماً يبتدئ من تاريخ نشر أو تبليغ القرار المطعون فيه أو العلم به علماً يقينياً وفق الشروط المقررة قانوناً.
هذا الأجل قصير نسبياً. لذلك، من تتلقى رفضاً مكتوباً أو تكتشف قراراً إدارياً يضر بحقها، لا ينبغي أن تنتظر كثيراً. التأخير قد يؤدي إلى سقوط الحق في الطعن بالإلغاء.
وفي هذا النوع من القضايا، يمكن الاستعانة بمحام متخصص في القضاء الإداري بالمغرب، خاصة إذا كان النزاع مرتبطاً بمحاضر إدارية أو لوائح رسمية أو تعويضات مالية.
وماذا عن النزاعات بين الأفراد؟
إذا كان النزاع لا يتعلق بقرار إداري، بل بخلاف بين أفراد حول الاستغلال أو الانتفاع أو اقتسام عائدات أو وثائق، فقد يثور الاختصاص أمام المحكمة الابتدائية بحسب طبيعة الدعوى. هنا لا توجد قاعدة واحدة تصلح لكل الحالات. ولذلك فإن تحديد الجهة القضائية المختصة يجب أن يتم بعد فحص موضوع النزاع بدقة.
مثلاً، إذا كانت المرأة تطعن في قرار إداري بإقصائها من لائحة ذوي الحقوق، فنحن أقرب إلى القضاء الإداري. أما إذا كانت تطالب شخصاً استولى على نصيبها من تعويض تم صرفه فعلاً، فقد تظهر دعاوى مدنية أو حتى جنحية بحسب الوقائع.
التوجه القضائي بعد 2019: اعتراف متزايد بحقوق النساء
من الصعب أحياناً الوصول بسهولة إلى كل الأحكام المنشورة في هذا الباب، لكن الاتجاه العام الذي برز بعد 2019 داخل عدد من المحاكم الإدارية بالمغرب هو التشدد تجاه الإقصاء غير المبرر للنساء السلاليات، خاصة عندما يكون مبنياً فقط على العرف أو على مقولات اجتماعية قديمة لا سند لها في النص الجديد.
بعبارة أخرى، الاجتهاد القضائي المغربي في منازعات الجماعات السلالية بدأ يسير، في خطوطه العريضة، نحو احترام روح الإصلاح ومبدأ المساواة. صحيح أن القضاء لا يشتغل بالشعارات، بل بالوثائق والإجراءات، لكن الرسالة العامة واضحة: بعد 2019، صار من الصعب الدفاع قضائياً عن إقصاء المرأة لمجرد كونها امرأة.
وفي الملفات الكبرى أو المعقدة، يمكن للمعنية بالأمر البحث عن محامين في القانون العقاري بالدار البيضاء أو بالرباط أو بمراكش بحسب مكان العقار والمحكمة المختصة، إلى جانب الاستفادة من مواكبة محام متخصص في حقوق النساء بالمغرب.
هل يمكن اللجوء إلى وسيط المملكة أو إلى الجمعيات؟
نعم، في بعض الحالات، خاصة عندما يكون المشكل إدارياً ويطول دون مبرر، يمكن توجيه شكاية إلى مؤسسة وسيط المملكة، كما يمكن طلب المواكبة من المجلس الوطني لحقوق الإنسان أو من الجمعيات النسائية والحقوقية. هذا لا يعوض القضاء عندما يكون الطعن القضائي ضرورياً، لكنه قد يسرّع الحل أو يخلق ضغطاً مؤسساتياً مفيداً.
بين النص والتطبيق: أين وصل تنفيذ الإصلاح على الأرض؟
تقدم حقيقي… لكن غير متساوٍ
من غير المنصف القول إن لا شيء تغير. تغير الكثير فعلاً. نساء كثيرات بدأن يحصلن على نصيبهن من التعويضات، وأسماء جديدة أُدرجت في لوائح ذوي الحقوق، والسلطات المحلية في عدد من الأقاليم صارت أكثر حذراً في التعامل مع الإقصاء. لكن من غير الصحيح أيضاً الادعاء بأن المشكل انتهى. التطبيق غير متساوٍ بين الجهات والأقاليم. هناك مناطق تقدمت فيها المساطر بشكل ملموس، ومناطق ما زالت الأعراف فيها أقوى من النص.
في بعض أقاليم الشاوية ودكالة، مثلاً، حصلت تطورات ملحوظة تحت ضغط الملفات العملية والتعويضات المرتبطة بالمشاريع. بينما في مناطق أخرى، ما زالت النساء يحتجن إلى نضال إداري وقضائي طويل فقط لإثبات حق يبدو بديهياً في القانون.
المشاريع الكبرى تزيد أهمية اليقظة القانونية
حين تكون الأرض السلالية بعيدة عن الضغط الاقتصادي، قد يبقى النزاع كامناً. لكن حين تدخل مشاريع فلاحية أو صناعية أو سياحية أو بنية تحتية، ترتفع قيمة الأرض والتعويضات، وتظهر الصراعات بقوة. وهذا ما نراه اليوم في عدة مناطق، من الغرب إلى سوس إلى بعض الأقاليم الجنوبية.
لهذا فإن حقوق النساء القرويات في العقار بالمغرب لم تعد مسألة رمزية. نحن أمام حقوق لها قيمة مالية واجتماعية كبيرة. ومن لا تتحرك في الوقت المناسب قد تجد نفسها خارج القسمة نهائياً.
ما الذي ما زال يحتاج إلى إصلاح؟
الجمعيات النسائية والحقوقية ما زالت تطالب بأمور أساسية: مزيد من الوضوح في قواعد انتقال الحقوق داخل الجماعة، حسم وضعية المرأة المتزوجة من خارج الجماعة، تعزيز تمثيلية النساء داخل هياكل التدبير، وتبسيط مساطر التقييد والطعن. كما أن النقاش مستمر حول ما إذا كان الإصلاح العقاري المغربي ينبغي أن يذهب مستقبلاً نحو صيغ أوسع في تمليك أو تثمين بعض الأراضي الجماعية بشروط تضمن عدم إقصاء النساء.
هذا النقاش مرتبط أيضاً بالتزامات المغرب الدولية، خاصة اتفاقية سيداو، وبأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الخامس المتعلق بالمساواة بين الجنسين، والهدف 1.4 المتعلق بالولوج المنصف إلى الموارد الاقتصادية. لكن في النهاية، ما سيحسم فعلاً هو ما يجري في القيادة، وفي العمالة، وفي المحكمة، وفي اللوائح المحلية.
خلاصة: معرفة الحق نصف المعركة
إذا أردنا تلخيص ما حدث بعد 2019 في جملة واحدة، فيمكن القول إن المرأة السلالية في المغرب لم تعد، قانوناً، خارج دائرة الحق. القانون رقم 62.17 فتح الباب أمام مساواة أوسع في الانتفاع والمشاركة والتعويض داخل الأراضي الجماعية. وهذا تطور كبير، بل تاريخي.
لكن يجب أن نبقى واقعيين. الإصلاح موجود، نعم. غير أن تطبيقه ما زال ورشاً مفتوحاً. هناك ملفات تُحل بسهولة، وملفات أخرى تتعثر بسبب مقاومة الأعراف أو بطء الإدارة أو ضعف الوثائق أو الجهل بالمساطر. لذلك، أول ما ينبغي فعله هو التسجيل في لائحة ذوي الحقوق، ثم تتبع كل قرار أو مشروع يمس الأرض الجماعية، وعدم السكوت عن أي إقصاء.
إذا كنتِ معنية بهذا الملف، فلا تكتفي بالكلام الشفهي داخل الدوار. قدمي الطلب كتابة، احتفظي بالوصل، اجمعي الوثائق، واستعيني عند الحاجة بجمعية أو بمحام. ويمكنك أيضاً الرجوع إلى محام في القانون العقاري بأكادير إذا كان النزاع في سوس، أو إلى الروابط المهنية المتخصصة حسب المدينة، لأن محامي الأراضي الجماعية وحقوق النساء بالمغرب يستطيع غالباً اختصار الطريق وتفادي أخطاء إجرائية مكلفة.
في النهاية، الأرض ليست فقط تراباً. في المغرب القروي، الأرض كرامة، وأمان اقتصادي، وذاكرة عائلية، وموقع داخل الجماعة. ولهذا بالضبط، فإن إنصاف النساء السلاليات ليس تفصيلاً قانونياً. إنه تصحيح لتاريخ طويل من الإقصاء، بدأ القانون يهزه، لكن حسمه الكامل ما زال يحتاج إلى وعي ومرافعة ومتابعة.

