إنشاء تجزئة عقارية في المغرب ليس مجرد تقسيم هندسي لأرض كبيرة إلى بقع أصغر. إنه مشروع عمراني وقانوني ومالي متكامل، تتداخل فيه الجماعة والوكالة الحضرية والمحافظة العقارية ومصالح الماء والكهرباء والتطهير، وقد تتدخل كذلك إدارة المياه والغابات أو وكالة الحوض المائي أو مصالح التجهيز، بحسب موقع العقار وطبيعته.
وقد عاد موضوع تجزئة الأراضي بالمغرب إلى الواجهة بعد النقاش البرلماني حول تعديل الإطار القانوني المنظم للتجزئات العقارية ومجموعات السكنى وتقسيم العقارات. الرسالة السياسية واضحة: تبسيط المساطر من جهة، وتشديد التصدي للتجزئات العشوائية من جهة أخرى. لكن، من الناحية القانونية الصرفة، لا يكفي التصويت البرلماني أو الإعلان الصحافي لجعل مقتضى جديد نافذا؛ فالنص لا يصبح قابلا للتطبيق إلا بعد استكمال المسطرة التشريعية ونشره في الجريدة الرسمية، مع صدور النصوص التنظيمية اللازمة عند الاقتضاء.
أما المرجع الأساسي، فهو الظهير الشريف رقم 1.92.7 الصادر في 15 ذي الحجة 1412 الموافق 17 يونيو 1992 بتنفيذ القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، كما وقع تغييره وتتميمه، ولا سيما بالتعديلات المتعلقة بمراقبة وزجر مخالفات التعمير والبناء. ويتكامل هذا القانون مع القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير ومرسوم تطبيق القانون 25.90 رقم 2.92.833 الصادر في 12 أكتوبر 1993.
في الممارسة، تبدأ أغلب المشكلات قبل تقديم الطلب: شراء أرض غير قابلة للتعمير، الاعتماد على شهادة ملكية قديمة، تجاهل ارتفاق يمر وسط المشروع، أو توقيع وعود بيع قبل إنجاز التجهيزات. لذلك سأشرح هنا شروط إنشاء تجزئة بالمغرب، ومحتوى ملف الترخيص، والتزامات المجزئ، وحماية المشتري، والعقوبات وطرق الطعن. وبعبارة مباشرة: ما الذي يجب فعله حتى لا يتحول الاستثمار العقاري إلى نزاع طويل أمام المحكمة الإدارية أو المحكمة الابتدائية؟
ما المقصود بالتجزئة العقارية في القانون المغربي؟
التعريف القانوني الوارد في المادة الأولى
وضعت المادة الأولى من القانون 25.90 تعريفا واسعا للتجزئة العقارية. فكل تقسيم لعقار، أيا كانت طريقة ذلك، إلى بقعتين أو أكثر معدة لإقامة بناية للسكن أو لغرض صناعي أو سياحي أو تجاري أو حرفي، يدخل من حيث الأصل في نظام التجزئات.
مضمون المادة الأولى من القانون 25.90: تعتبر تجزئة عقارية كل تقسيم لعقار، عن طريق البيع أو الإيجار أو القسمة، إلى بقعتين أو أكثر معدة لإقامة بنايات للسكن أو لغرض صناعي أو سياحي أو تجاري أو حرفي.
العبرة إذن ليست بالاسم الذي يختاره المالك للعقد. قد يسمي العملية «قسمة رضائية» أو «تفويتا عائليا»، لكن إذا كانت البقع الناتجة معدة للبناء، فقد تعتبرها الإدارة والقضاء تجزئة خاضعة للترخيص المسبق. كما لا يشترط دائما الشروع الفوري في البناء؛ إذ يمكن استخلاص الغرض العمراني من مساحة البقع وتصميم التقسيم وموقع الأرض والإعلانات ووعود البيع والطرق الداخلية المحدثة.
أتذكر ملفا لمالك قرب القنيطرة قسم أرضه إلى ثلاث قطع «بين الأصدقاء». أنشأ ممرا ترابيا، وقبض تسبيقات، ثم فوجئ بمحضر مخالفة عندما حاول أحد المشترين الحصول على رخصة بناء. العقود العرفية لم تغير طبيعة العملية، لأن الواقع كشف عن تقسيم منظم لبقع مخصصة للبناء. النتيجة كانت نزاعا مدنيا حول استرجاع التسبيقات ومتابعة مرتبطة بمخالفة ضوابط التجزئات.
الفرق بين التجزئة وتقسيم العقار وإعادة الهيكلة
التجزئة تنتج بقعا معدة للبناء وتفرض، كقاعدة، تجهيز المشروع وربطه بالشبكات والحصول على إذن إداري مسبق. أما تقسيم العقار أو morcellement المنظم ابتداء من المادة 58 من القانون 25.90، فيراد به عمليات تفويت أو قسمة تفضي إلى إحداث أجزاء عقارية في الحالات والمناطق التي حددها القانون، مع إخضاعها لإذن يهدف خصوصا إلى منع التحايل على قواعد التجزئة والحد الأدنى للمساحات.
لذلك، فالقول إن التقسيم البسيط لا يحتاج إلى أي ترخيص ليس دقيقا. المادة 58 وما يليها تقيم بدورها نظاما للإذن بالتقسيم داخل المجالات الخاضعة للقانون. ويختلف الملف والآثار بحسب موقع العقار، والغرض من القطع الناتجة، ووثائق التعمير السارية. أما إعادة الهيكلة فتتعلق غالبا بأحياء أو تقسيمات قائمة يراد إدماجها عمرانيا عبر الطرق والشبكات وإعادة ترتيب الملكيات، وهي ليست وسيلة تلقائية لمحو المخالفات السابقة.
القسمة الإرثية أو القضائية لا تعني، في كل الأحوال، سقوط قواعد التعمير. فإذا أدت القسمة إلى بقع معدة للبناء داخل مجال خاضع للقانون، تعين فحص الحاجة إلى الترخيص وإمكان تنفيذ القسمة عينيا. وقد يرفض المحافظ على الأملاك العقارية تقييد عملية لا تحترم الوثائق والشهادات الإدارية المطلوبة.
القانون 25.90 وعلاقته بقواعد التعمير
النص المرجعي لا يعمل منفردا
صدر القانون 25.90 سنة 1992 ونشر في الجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ 15 يوليو 1992. وهو ينظم الترخيص بالتجزئة، والأشغال والتجهيزات، وتسلمها، وبيع البقع، واتحاد ملاك التجزئة، وتقسيم العقارات والمخالفات. لكن قراءة هذا القانون وحده لا تكفي.
فالقانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير ينظم وثائق مثل مخطط توجيه التهيئة العمرانية وتصميم التنطيق وتصميم التهيئة. وهذه الوثائق تحدد تخصيص المنطقة: سكن، صناعة، تجهيزات عمومية، مساحات خضراء، طرق، أو منطقة غير مفتوحة حاليا للتعمير. كما تحدد علو البنايات، ونسبة شغل الأرض، والارتدادات، والمساحات الدنيا وشروط الولوج.
تنص المادة 3 من القانون 25.90 على خضوع إحداث التجزئة العقارية لإذن إداري سابق. كما تربط المادة 4 منح الإذن بمدى مطابقة المشروع لأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية ووثائق التعمير الجاري بها العمل.
قاعدة عملية مستخلصة من المادتين 3 و4: لا أشغال، ولا تقسيم موجه للبناء، ولا تسويق قانوني للبقع قبل التحقق من قابلية الأرض للتجزئة والحصول على الترخيص الإداري.
قد تكون الأرض محفظة وخالية من الرهون، ومع ذلك لا تصلح لمشروع سكني لأنها مخصصة في تصميم التهيئة لحديقة أو مدرسة أو طريق. وقد تكون الأرض داخل المدار الحضري، لكن ذلك لا يجعلها كلها قابلة للبناء. عبارة «داخل المدينة» ليست شهادة تعميرية.
نطاق تطبيق القانون
تحدد المادة 2 من القانون 25.90 المجالات التي تسري فيها أحكامه، ومنها الجماعات الحضرية والمراكز المحددة والمناطق المحيطة بها والتجمعات العمرانية والمناطق ذات الصبغة الخاصة المحددة بنص تنظيمي. وقد يمتد التطبيق إلى مجالات قروية بحسب الوثائق والنصوص المعمول بها.
قبل شراء الأرض، أوصي بطلب مذكرة معلومات تعميرية من الوكالة الحضرية المختصة، مع التنبيه إلى أن هذه المذكرة تقدم معطيات تخطيطية ولا تعادل ترخيصا بالتجزئة. ينبغي كذلك الاطلاع على تصميم التهيئة نفسه وعلى نظامه، لأن الرمز المختصر للمنطقة لا يكشف دائما جميع القيود.
يمكن الاستعانة بمتخصص في قانون التعمير بالمغرب لفحص الوثائق قبل دفع العربون. هذه الكلفة الوقائية محدودة مقارنة بثمن أرض يتبين لاحقا أنها واقعة في منطقة غير قابلة للتهيئة أو مثقلة بتخصيص عمومي.
شروط إنشاء تجزئة عقارية بالمغرب
وضعية عقارية واضحة وقابلة للإثبات
أول شرط عملي هو إثبات الصفة والملكية. يقدم الطلب مالك العقار أو من يفوضه قانونا. وبالنسبة للعقار المحفظ، يجب الإدلاء بشهادة ملكية حديثة وتصميم عقاري، مع التحقق من الرهون والحجوزات والارتفاقات والتقييدات الاحتياطية. وإذا كان المالك شركة، تضاف الوثائق القانونية التي تثبت شخصيتها وسلطة ممثلها.
العقار غير المحفظ، المعروف عمليا بأرض الملك، يثير صعوبات أكبر. لا توجد قاعدة بسيطة تقول إن كل عقار غير محفظ ممنوع قطعا من التجزئة، لكن الإدارة تحتاج إلى سند ملكية مقبول وتحديد طبوغرافي غير متنازع فيه. وفي المشاريع المهمة، تصبح مباشرة التحفيظ لدى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية خطوة شبه حتمية لضمان استخراج الرسوم العقارية الخاصة بالبقع لاحقا.
قد تستغرق مسطرة التحفيظ عدة أشهر إذا مرت دون تعرض، وقد تمتد سنوات عند وجود تعرضات أو نزاع حول الحدود والملكية. لهذا أنصح ببدء الفحص العقاري والتحفيظ قبل إنفاق مبالغ كبيرة على الدراسات. يمكن الرجوع أيضا إلى دليل التحفيظ العقاري بالمغرب.
مطابقة تصميم التهيئة والضوابط العمرانية
يجب أن تكون التجزئة منسجمة مع تصميم التهيئة أو تصميم التنطيق والأنظمة العمرانية. وتتحقق المصالح من مساحة كل بقعة وواجهتها وعلو البناء ونسبة شغل الأرض ومعامل الاستغلال ومواقف السيارات والطرق والارتدادات والتجهيزات العمومية.
لا يوجد حد أدنى وطني موحد لمساحة كل بقعة يصلح لجميع المدن. قد يسمح نظام منطقة بقطع صغيرة للسكن الاقتصادي، بينما يفرض في منطقة الفيلات مساحات أكبر وواجهات محددة. وفي مناطق صناعية أو سياحية تختلف المعايير كليا. فخ يجب تجنبه: الاعتماد على مشروع مجاور قديم؛ فقد يكون مرخصا في ظل تصميم سابق لم يعد ساريا.
الولوج إلى الطريق والشبكات
تسمح المادة 5 من القانون 25.90 برفض الترخيص، بحسب المجال المعني، عندما لا تتوفر الشروط الضرورية، ولا سيما الاتصال بشبكات الطرق والماء والكهرباء أو إمكان تصريف المياه والمحافظة على الصحة والنظافة. وعمليا، لا تقبل تجزئة بلا منفذ قانوني كاف إلى الطريق العام، أو بممر مجرد غير ثابت.
تشمل التزامات تهيئة التجزئة بالمغرب عادة الطرق الداخلية والأرصفة وشبكة الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل وتصريف مياه الأمطار والإنارة العمومية والمساحات الخضراء والتشوير. وقد يفرض تصميم التهيئة أو دفتر التحملات تجهيزات أخرى، مثل حوض لتجميع مياه الأمطار أو موقع لمرفق عمومي.
ليست كل هذه العناصر واردة في «لائحة وطنية جامدة» داخل المادة 5، كما يقال أحيانا؛ بل تتحدد التفاصيل من خلال القانون والمرسوم ووثائق التعمير والتصاميم التقنية وشروط المصالح المفوضة. وفي الدار البيضاء أو الرباط أو طنجة، قد تختلف الاشتراطات التقنية عن جماعة صغيرة بسبب حجم الشبكات وخطر الفيضانات ومعايير الطرق.
مسطرة الحصول على إذن بإحداث تجزئة
المرحلة الأولى: الدراسة القانونية والتقنية
قبل إعداد التصميم النهائي، ينبغي جمع ثلاثة أنواع من المعطيات. أولا، الوضعية العقارية والرهون والارتفاقات. ثانيا، قواعد التعمير السارية. ثالثا، القدرة التقنية على الربط بالشبكات. ويعمل في المشروع عادة مهندس معماري ومهندس مساح طبوغرافي ومكاتب دراسات الطرق والتطهير والكهرباء، مع مستشار قانوني عند صياغة دفتر التحملات والعقود.
المهندس المساح الطبوغرافي المعتمد يتولى القياسات والحدود والتصاميم الطبوغرافية المرتبطة بالعقار. أما التصميم العمراني والمعماري فينجزه مهني مؤهل وفقا للنصوص والاختصاصات المهنية. محاولة الاقتصاد بحذف أحد المتدخلين قد تنتج تصميما غير مطابق أو حدودا تتعارض مع الرسم العقاري.
المرحلة الثانية: تكوين ملف طلب الترخيص
ينظم القانون 25.90 ومرسوم تطبيقه وثائق ملف طلب ترخيص التجزئة. وقد تطلب المنصة الرقمية أو الجماعة نسخا وصيغا تقنية محددة. ويتضمن الملف، بحسب المشروع، ما يلي:
- طلبا موقعا من المالك أو وكيله، مع وثائق الهوية أو وثائق الشركة والتفويض؛
- شهادة الملكية الحديثة أو السندات المقبولة والوثائق المساحية؛
- تصميم الموقع الذي يبين علاقة الأرض بالطرق والمحيط؛
- تصميما طبوغرافيا يوضح الحدود والمناسيب والمعالم والارتفاقات؛
- التصميم العام للتجزئة، مع ترقيم البقع ومساحاتها والطرق والمساحات الخضراء والتجهيزات؛
- التصاميم والدراسات التقنية للطرق والماء والكهرباء والتطهير وتصريف مياه الأمطار؛
- البرنامج الزمني والتقدير المالي للأشغال عند طلبهما؛
- دفتر تحملات التجزئة المتضمن لالتزامات المجزئ والقواعد المفروضة على المشترين.
تحدد المادة 8 من القانون الوثائق الأساسية المرفقة بطلب الإذن، بينما يفصل المرسوم التطبيقي البيانات والتصاميم والجهات المهنية التي تعدها. وقد تغيرت طريقة الإيداع عمليا مع رقمنة رخص التعمير واعتماد منصة Rokhas في عدد من الجماعات، لكن الرقمنة لا تلغي الشروط الموضوعية.
من الأخطاء المتكررة تقديم شهادة ملكية قديمة لا تظهر رهنا حديثا، أو تصميم طبوغرافي لا يطابق الرسم العقاري، أو إغفال مجرى مائي. كما قد تكون الأرض موضوع قرض مضمون برهن؛ وهنا يجب التنسيق مع البنك حول التجزئة ورفع اليد الجزئي عن البقع، وإلا تعذر إنشاء رسوم مستقلة قابلة للبيع.
المرحلة الثالثة: الإيداع ودراسة المصالح
يودع الملف لدى الجماعة المختصة، غالبا عبر الشباك الوحيد أو المنصة الإلكترونية بحسب التنظيم المحلي. وتشارك في الدراسة الوكالة الحضرية والمصالح الجماعية والسلطات المختصة وشركات توزيع الماء والكهرباء والتطهير أو المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بحسب المدينة ونظام التدبير.
وقد يستلزم الموقع رأي وكالة الحوض المائي إذا كان قريبا من واد أو منطقة معرضة للفيضانات، أو إدارة المياه والغابات إذا تعلق الأمر بملك غابوي أو منطقة محاذية له، أو وزارة التجهيز بالنسبة إلى الولوج من طريق مصنفة. تعدد الآراء لا يعني أن كل إدارة تملك حرية مطلقة؛ فالقرار النهائي يجب أن يستند إلى القانون ووثائق التعمير.
من الخطأ تكرار رقم موحد مثل «شهرين في كل جماعة ذات تصميم وأربعة أشهر في غيرها» دون الرجوع إلى النص الخاص ووصل الإيداع ونوع الملف. يتضمن القانون 25.90 نظاما خاصا للبت وآثارا لسكوت الإدارة، كما تتدخل قواعد تبسيط المساطر الإدارية بالقانون 55.19 والآجال المنشورة للمساطر. لكن الاستفادة من أي أجل تفترض ملفا كاملا مثبتا بوصل إيداع، ولا يجوز اعتبار السكوت ترخيصا صالحا إذا كان المشروع مخالفا لوثائق التعمير.
عمليا، قد تستغرق دراسة مشروع بسيط بضعة أشهر، بينما تمتد المشاريع المعقدة في الدار البيضاء أو الرباط أو مراكش إلى سنة أو أكثر بسبب الملاحظات المتبادلة وتعديل دراسات التطهير والربط. عالجت في الممارسة ملف مشروع قرب الدار البيضاء ظل نحو 18 شهرا بين ملاحظات الوكالة الحضرية والجماعة ومشغل الشبكة. لم يكن الحل في إرسال مراسلات غاضبة، بل في إعداد جدول قانوني وتقني يحدد كل ملاحظة والجهة المسؤولة عنها والجواب الموثق.
المرحلة الرابعة: صدور الإذن
إذا كان المشروع مطابقا، يصدر إذن إحداث التجزئة مشفوعا بالتصاميم المؤشر عليها ودفتر التحملات والشروط التقنية. وقد يحدد القرار مدة إنجاز الأشغال ومراحلها. الترخيص لا يسمح للمجزئ بتغيير عدد البقع أو الطرق أو تخصيص المساحات بإرادته؛ فكل تعديل جوهري يحتاج إلى موافقة وفق المسطرة القانونية.
رفض الترخيص يجب أن يقوم على سبب قانوني، مثل مخالفة تصميم التهيئة أو غياب الولوج أو عدم كفاية شبكات التطهير. أما الرفض المبني على تعليل مبهم أو واقعة غير صحيحة فيمكن الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية.
دفتر تحملات التجزئة: الوثيقة التي يتجاهلها كثيرون
دفتر تحملات التجزئة بالمغرب ليس ملحقا شكليا. إنه وثيقة تضبط التزامات المجزئ والقواعد العمرانية والتعاقدية المتعلقة بالبقع والأجزاء المشتركة. ويعرض ضمن ملف الترخيص ويؤشر عليه مع الوثائق المصادق عليها وفق المسطرة المطبقة.
يتضمن عادة نوع البناء المسموح به، والعلو، والارتداد عن الحدود، ونسبة البناء، ومواقف السيارات، والأسوار، والواجهات، والأنشطة الممنوعة، وشروط ضم البقع أو تقسيمها، والارتفاقات، وتدبير الأجزاء المشتركة. كما يحدد التجهيزات التي يلتزم المجزئ بإنجازها وآجالها ومراحل تسلمها.
تكتسب بعض مقتضياته طابعا تنظيميا لارتباطها بالترخيص، بينما تكون مقتضيات أخرى تعاقدية بين المجزئ والمشترين. لذلك يجب التمييز بينهما عند النزاع. ولا يجوز لدفتر التحملات أن يخالف القانون أو تصميم التهيئة، كما أن اتفاق السكان لا يستطيع وحده إباحة بناء طابق يمنعه النظام العمراني.
على المشتري أن يحصل على نسخة كاملة قبل التوقيع. العبارة الواردة في العقد بأنه «اطلع وقبل» قد تجعل الاحتجاج بعدم القراءة صعبا. في الممارسة القضائية، يستند القضاة إلى العقد ودفتر التحملات والتصاميم المرخصة لتحديد الالتزامات، لكن نتيجة كل ملف تتوقف على طبيعة البند وكيفية إشهاره ومدى مطابقته للنظام العام.
أشغال تجهيز التجزئة والتسلم
من يتحمل تكاليف التجهيز؟
الأصل أن المجزئ ينجز على نفقته التجهيزات المفروضة في الترخيص ودفتر التحملات: الطرق والأرصفة والشبكات والإنارة وتصريف المياه والمساحات المقررة. وقد تبرم اتفاقيات مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب أو شركات التنمية المحلية أو المفوض لهم تدبير التوزيع، بحسب المجال الترابي.
تتغير الكلفة بشدة حسب طبيعة الأرض وعرض الطرق وعمق شبكات التطهير وبعد نقاط الربط. يمكن أن تتراوح الأشغال، على سبيل المؤشر غير الملزم، بين 300 و800 درهم للمتر المربع من المساحات المجهزة أو الطرق في بعض المشاريع، وقد تتجاوز ذلك عند الحاجة إلى محطة ضخ أو منشآت لتصريف السيول أو تدعيم التربة. كما قد تتراوح أتعاب المساح الطبوغرافي في مشروع متوسط بين 15 ألفا و50 ألف درهم أو أكثر، بينما تحدد أتعاب المعماري ومكاتب الدراسات باتفاق وعلاقة بحجم المشروع وتعقيده.
هذه الأرقام ليست تعريفة رسمية. مشروع في أكادير معرض لقيود مرتبطة بالمياه أو التضاريس ليس كمشروع فوق أرض مستوية ببني ملال. كما أن الربط قد يستغرق ستة إلى اثني عشر شهرا في الملفات المعقدة. يجب إدماج هذه المدة في الجدول المالي بدل وعد المشترين بتاريخ غير واقعي.
التسلم المؤقت والتسلم النهائي
بعد انتهاء الأشغال، يطلب المجزئ من الجماعة معاينتها. وتشكل لجنة تضم المصالح المعنية للتأكد من مطابقة الطرق والشبكات والتجهيزات للتصاميم المرخصة. إذا كانت الأشغال مطابقة، يحرر محضر التسلم المؤقت. وإذا ظهرت تحفظات، يجب رفعها قبل إغلاق الملف.
يأتي التسلم النهائي بعد انقضاء المدة المحددة ورفع العيوب والتحفظات. وخلال الفترة الفاصلة يبقى المجزئ مسؤولا عن صيانة الأشغال وإصلاح العيوب وفق الالتزامات المقررة. وقد تنتقل الطرق والتجهيزات المخصصة للاستعمال العام إلى الجماعة أو الجهة المدبرة بالشروط القانونية والتقنية.
انتباه: وجود أعمدة كهرباء قرب المشروع لا يعني أن البقع مربوطة قانونيا بالشبكة. المطلوب هو تنفيذ الشبكة داخل التجزئة، وأداء المساهمات، والحصول على محاضر المطابقة والتسلم اللازمة.
بيع بقع التجزئة: متى يصبح قانونيا؟
تضع المواد 33 وما يليها من القانون 25.90 قيودا دقيقة على بيع بقع التجزئة أو كرائها أو قسمتها. والقاعدة هي عدم إبرام العقود المتعلقة بالبقع قبل التسلم المؤقت للأشغال، حماية للمشترين من دفع ثمن أرض تظل بلا طريق أو ماء أو تطهير.
مغزى المادة 33: ترخيص التجزئة لا يساوي تلقائيا الإذن ببيع كل البقع؛ فالبيع مرتبط بإنجاز الأشغال وتسلمها أو باحترام الاستثناءات والضمانات المقررة قانونا.
يتيح القانون، وفق شروطه، التعامل في بعض البقع أو مراحل المشروع قبل إتمام جميع الأشغال عندما يقدم المجزئ ضمانة كافية لإنجاز ما تبقى، مثل ضمانة بنكية تقبلها الإدارة. لكن لا ينبغي وصف أي «كفالة» خاصة بأنها كافية. يجب التحقق من قيمتها ومدتها والجهة المستفيدة وشروط تفعيلها ومطابقتها للترخيص.
قبل توقيع عقد اقتناء بقعة أرضية قابلة للبناء، على المشتري أن يطلب شهادة ملكية حديثة، ونسخة من إذن التجزئة، والتصميم المؤشر عليه، ودفتر التحملات، ومحضر التسلم المؤقت أو الوثيقة القانونية التي تجيز البيع قبل استكمال الأشغال، وبيانات الرسم العقاري الخاص بالبقعة أو مسطرة استخراجه.
يجب أن يحدد العقد رقم البقعة ومساحتها وحدودها وثمنها وكيفية الأداء وحالة التجهيز وتاريخ التسليم والجزاءات عند التأخر. وإذا كانت المساحة تقريبية قبل التحديد النهائي، ينبغي بيان طريقة تسوية فرق المساحة. كما يجب فحص الرهن الأصلي والحصول على رفع اليد الجزئي من البنك.
يلعب الموثق دورا محوريا في التحقق من الهوية والملكية والتقييدات والوثائق الإدارية وقابلية العقد للتسجيل والتقييد. وقد تقوم مسؤوليته المدنية أو التأديبية إذا أخل بواجبات التحقق والنصح، لكن ذلك لا يعفي المشتري من فحص المشروع. وإذا تعلق الأمر ببناء سيقام لاحقا، يمكن الاطلاع كذلك على شروط رخصة البناء بالمغرب، لأن إذن التجزئة لا يعوض رخصة البناء الخاصة بكل بقعة.
التجزئة غير المرخصة: المخالفات والعقوبات
يعد إنشاء تجزئة دون إذن، أو مخالفة التصاميم المرخصة، أو بيع البقع خارج الشروط القانونية، من الأفعال التي ترتب مسؤوليات إدارية ومدنية وجنائية. وترد المقتضيات الزجرية في الباب المخصص للمخالفات من القانون 25.90، ولا سيما المواد 61 وما يليها، كما عدلها القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء.
التنبيه ضروري هنا: لا ينبغي الاعتماد على مقال قديم يذكر غرامة واحدة من 50 ألفا إلى 200 ألف درهم لكل الحالات. لقد عرفت المنظومة تعديلات، وتختلف العقوبة بحسب الفعل وتاريخ ارتكابه وصفة المتدخل وما إذا كان الأمر يتعلق بإحداث تجزئة دون إذن أو بيع غير مشروع أو عدم تنفيذ الأشغال. وقد تصل الغرامات في بعض الجرائم الجسيمة، وفق الصيغة المحينة للنص، إلى مبالغ مرتفعة جدا، مع إمكان الحكم بإعادة الحالة أو الهدم ومصادرة المعدات في الحالات القانونية وتضاعف العقوبة عند العود.
تبدأ المسطرة غالبا بمحضر ينجزه ضابط الشرطة القضائية المختص أو مراقب التعمير المؤهل قانونا. وقد يصدر أمر بإيقاف الأشغال، وتحال المحاضر إلى النيابة العامة. وتظل المحكمة الزجرية مختصة بتقرير الإدانة والعقوبة والتدابير التابعة، مع احترام حقوق الدفاع.
المسؤولية لا تقتصر دائما على المالك. بحسب الوقائع، قد تشمل صاحب المشروع أو من باشر الأشغال أو المقاول أو المهني الذي ساهم عن علم في المخالفة. أما الموثق أو العدل أو محرر العقد، فتبحث مسؤوليته بحسب واجباته القانونية وطبيعة الوثائق التي اعتمدها. القول بوجود مسؤولية تضامنية آلية في كل ملف غير دقيق؛ إذ يجب إثبات الخطأ والعلاقة السببية والأساس القانوني لكل مسؤولية.
هل يمكن تسوية تجزئة عشوائية؟
لا يتضمن القانون 25.90 «عفوا عاما» أو مسطرة تلقائية تضمن تسوية كل تجزئة غير مرخصة. قد تكون هناك برامج لإعادة الهيكلة أو وثائق تعمير جديدة أو قرارات خاصة، لكن نجاح التسوية يتوقف على قابلية الأرض للتعمير وإمكان إنجاز الطرق والشبكات واحترام الملك العام وحقوق الغير.
في منطقة سوس ماسة، ظل تقسيم قديم متسامحا معه سنوات، ثم ظهرت مشكلته عند مراجعة تصميم التهيئة وطلب السكان رخص البناء. بعض الممرات لم تكن بعرض كاف، وجزء من الأرض وقع داخل منطقة معرضة لخطر الفيضانات. التسامح السابق لم يتحول إلى حق مكتسب في الحصول على الرخص.
كما أن تقادم المتابعة الجنائية، متى تحققت شروطه، لا يحول بالضرورة الوضع المادي المخالف إلى وضع قانوني، ولا يلزم الإدارة بمنح رخصة بناء. الخلاصة: التسوية تدرس حالة بحالة، ولا تبنى على وعود شفوية من وسيط أو موظف غير مختص.
الطعن في رفض ترخيص التجزئة
إذا رفضت الجماعة طلب الترخيص، يجب أولا الحصول على القرار مكتوبا ومعرفة أسبابه. يمكن تقديم تظلم إداري إلى رئيس مجلس الجماعة، أو مراسلة السلطة المختصة بحسب سبب الرفض، مرفقا بوثائق تقنية وقانونية تجيب عن الملاحظات.
بعد ذلك يمكن رفع دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة أمام المحكمة الإدارية المختصة. وتنص المادة 23 من القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية على أجل ستين يوما لطلب إلغاء القرارات الإدارية، يحتسب، كقاعدة، من نشر القرار أو تبليغه. وقد يؤثر التظلم الإداري المقدم داخل الأجل في طريقة احتساب الميعاد وفق الشروط القانونية.
المادة 23 من القانون 41.90: تقدم طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة داخل أجل ستين يوما يبتدئ من نشر القرار المطلوب إلغاؤه أو تبليغه إلى المعني بالأمر.
يراقب القاضي الإداري الاختصاص والشكل والتعليل وصحة الوقائع وتطبيق وثائق التعمير وعدم الانحراف في استعمال السلطة. لكنه لا يحل محل المهندس أو الإدارة لمنح مشروع مخالف للقانون. فإذا ألغى القرار، تعيد الإدارة دراسة الطلب تنفيذا للحكم مع التقيد بالحجية القانونية التي حددها.
عند الاستعجال ووجود ضرر يصعب تداركه، يمكن بحث طلب وقف التنفيذ، لكن قبوله ليس تلقائيا ويتطلب شروطا جدية. وفي الملفات المعقدة قد تكون الخبرة القضائية ضرورية لتحديد موقع العقار أو علاقته بالطريق والتخصيص العمراني.
للمشاريع الكبرى، قد يكون من المفيد استشارة محام متخصص في العقار بالدار البيضاء أو محام في قانون التعمير بالرباط. وفي الجنوب، تتكرر ملفات التضاريس والمياه والملك الغابوي، ما يبرر الاستعانة بـمحام في التجزئات والتعمير بأكادير.
مستجدات إصلاح قانون التجزئات
عرف البرلمان نقاشا حول مشروع تعديل القانون 25.90، وأعلن عن اعتماده بالإجماع في مرحلة من المسطرة التشريعية. وترتبط أهداف الإصلاح المعلنة بتبسيط الإجراءات، ورقمنة الملفات، وتقليص تعدد الوثائق والآراء، وتحسين الشفافية، ومعالجة التجزئات غير القانونية وتعزيز حماية المشترين.
لكن يجب الفصل بين ثلاثة أمور: مشروع قانون، وقانون تمت المصادقة عليه نهائيا، وقانون دخل حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية. كما يجب الرجوع إلى الأحكام الانتقالية لمعرفة مصير الملفات المودعة قبل تاريخ النفاذ. وحتى سبتمبر 2026، يبقى المرجع الآمن لأي معاملة هو النص المحين المنشور رسميا، لا العناوين الصحافية أو النسخ البرلمانية غير النهائية.
من المتوقع أن تسهم الرقمنة في تتبع الملف وتحديد الإدارة المتأخرة، لكنها لن تعالج وحدها تناقض التصاميم أو ضعف الشبكات. وقد تزيد شروط الشفافية والضمانات من كلفة إنتاج البقع في المدى القصير، لكنها تقلل مخاطر شراء أرض غير مجهزة وتدعم الثقة في السوق.
سبعة أخطاء يجب تجنبها
- شراء الأرض قبل فحص تخصيصها العمراني: شهادة الملكية تثبت الحق العيني، ولا تثبت قابلية الأرض للسكن أو الصناعة.
- بدء فتح الطرق أو التسوية قبل الإذن: الأعمال التمهيدية قد تعد شروعاً ماديا في التجزئة المخالفة.
- بيع البقع بمجرد الحصول على إذن التجزئة: يجب احترام شروط التسلم أو الضمانة القانونية وإذن التعامل في البقع.
- إهمال دفتر التحملات: الصياغة الغامضة تخلق نزاعات حول الواجهات والأنشطة والأجزاء المشتركة.
- تقدير ضعيف لكلفة الربط: شبكات التطهير وتصريف الأمطار قد تلتهم هامش الربح المتوقع.
- إغفال الرهون والارتفاقات: لا يمكن بيع بقعة مستقلة بأمان إذا ظل الرهن الأصلي أو تعذر رفع اليد عنها.
- الاعتماد على الوعود الشفوية: ما يعتد به هو القرار المكتوب والتصميم المؤشر عليه ومحاضر التسلم والوثائق العقارية.
خلاصة عملية
تمر مسطرة تجزئة أرض بالمغرب بأربع حلقات مترابطة: أرض ذات وضعية قانونية واضحة وقابلة للتعمير، ملف تقني مطابق، إنجاز فعلي للتجهيزات، ثم بيع البقع بعد استيفاء شروط التسلم أو الضمان. سقوط حلقة واحدة قد يوقف المشروع كله.
القانون 25.90 ليس مجرد حاجز إداري؛ فهو يحمي المدينة من البناء العشوائي، ويحمي الجماعة من تحمل كلفة شبكات لم ينجزها المجزئ، ويحمي المشتري من بقعة بلا طريق أو ماء. وفي المقابل، يحق لصاحب المشروع أن يحصل على قرار معلل داخل المسطرة القانونية، وأن يطعن أمام المحكمة الإدارية إذا رفض طلبه تعسفا.
نصيحتي الأخيرة واضحة: لا تدفع ثمن الأرض، ولا تبدأ الأشغال، ولا توقع وعود بيع قبل تدقيق عقاري وتعميري وتقني شامل. الاستشارة المبكرة أقل كلفة بكثير من محاولة إنقاذ تجزئة غير قانونية بعد بيع عشرات البقع.

